فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أمّا العلاج ـ يا رعاكم الله ـ فيكمُن في حُسن القصد وتحرِّي الحقّ وتقوى الربّ والوقوف حيث وقف الأسلاف، فإنهم عن علمٍ وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كفّوا، وإلا ففِتن المفاهيم بحرٌ سحيق لا ساحلَ له، فكم من فاتن فيها بعلم، ومفتون عنها بتقليد، وقد جمع هذا الزمانُ وأهلُه كثيرًا من صوَر المفاهيم الخاطئة، وما اجتمعت في عصرٍ كاجتماعها وتوارُدها في هذا العصر، حتى قلَّ الفقه فيها، وعظُمت المجاهدةُ لها، وما ذلكم إلا لأنّ أصحابَ المفاهيم الخاطئة يرَون الصوابَ حكرًا على أنفسهم، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَنًا فَإِنَّ ?للَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء [فاطر:8] . وكم وصَفوا أهلَ المفاهيم الصحيحة بالأوصافِ الشنيعة، فرمَوهم بالمجسِّمة والحشوية والوهّابية بأَخَرَة، وكم عيبَت الأقوال الصحيحةُ بالفهوم السقيمة. وما على المرءِ إلا نحتُ القوافي من مقاطعها، وما عليه إذا لم يفهمِ البشَر؟!
حتى خُيِّل لبعض المنهزِمين أن لا امتطاءَ لصهوَة التقدم والحضارة إلاّ بالتمرُّد على الدين والنيلِ من قيَمه ومفاهيمه والمساسِ بثوابتِه والمطالبة بإخضاع مسلَّماته ومحكَماته للنَّظر والحوار، فظنّ بعضهم الإفسادَ إصلاحًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ?لْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] ، وقد قال قائلهم عن نبيّ الله موسى عليه السلام وكلميه: إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ?لأرْضِ ?لْفَسَادَ [غافر:26] .
فمهلًا مهلًا أيّها المفتونون، ورويدَكم رويدَكم أيّها المنهزِمون، وعلى رسلِكم أيّها الخائضون في أمور الشريعة، فأعطُوا القوسَ باريها، وحنانَيكم أيّها المخالِفون، فها قد برِح الخفا، وتبيَّن الحقّ وانجلى، وظهرَ المحقّ واعتلى، ووُضعت المفاهيم في صحيح مجاريها، وحاد السالكُ عن الشطَط في مراميها، ولم يبقَ لمعاندٍ مستمسَك، ولا لمجادلٍ مستعصَم، ولن يُخرجَ الأمّةَ من وهدتها وينقذها من جديدِ صراعاتها إلاّ عودتها الجادّةُ لتصحيح مفاهيمها في أنفسها أوّلًا، ثمّ عند غيرها ثانيًا، مستثمرةً وسائلَ العصر وثقافاته في تحقيق ذلك قبلَ أن يستفحلَ داؤها ويستحيلَ دواؤها، ولنا عِبرةٌ أيّ عِبرة تتبعُها لوعة وعَبرة في أساطين المفاهيم المغلوطَة عبر التأريخ الذين ندِموا على ما قدَّموا، واعترفوا بحيرتهم واضطِرابهم، فأرواحُهم في وحشةٍ من جسُومهم، وحاصلُ دنياهم أذًى ووبال، وآخَر قد طاف المعاهدَ كلَّها، وسيَّر طرفَه بين تلك المعالم، فلم يرَ إلاّ واضعًا كفَّ حائرٍ على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادم.
فيا هؤلاء، ويا أولئك، ويحكم، البدارَ البدارَ قبل فواتِ الأوان، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَ?عْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ?تَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَهْدِى ?لْقَوْمَ ?لظَّـ?لِمِينَ [القصص:50] .
ألا وصلّوا وسلّموا ـ رحمكم الله ـ على الرحمةِ المهداة والنّعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم ربكم جلّ في علاه فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلّ وسلِّم وبارك على سيّد الأوّلين والآخرين وأشرفِ الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ...
[1] صحيح البخاري: كتاب التفسير (4547) ، صحيح مسلم: كتاب العلم (2665) .
[2] سنن الدارمي: المقدمة (119) ، وأخرجه أيضا الآجري في الشريعة (1/ 48، 52) ، واللالكائي في أصول الاعتقاد (202) .
المصدر: منقول من موقع وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية