فهرس الكتاب

الصفحة 4400 من 20085

وفي هذه الأيام الدعوة ماشية على أحسن ما يُرَام لأني بحمد الله قد كبرت، ولعلي أبلغ من العمر نحو اثنتين وستين سنة، فالتجارب ونصائح مُحبِّي الدعوة تدفعاني على الرفق وعدم مجاراة الأعداء الذين ليس لهم إلا السباب والشتائم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} .

وأيضًا الشغل بالتعليم والتأليف والدعوة لم يُبقِ لي وقتًا لمجاراة أولئك، فليقولوا ما شاءوا فذنوبي كثيرة عسى أن يخففوا عني ويحملوا من أوزاري، ولله درُّ من قال:

يا وَادِعة في وِسْط حاشد ... إيش أمنش يا بكيلية

دراستي ومشايخي:

درست في المكتب حتى انتهيت من منهج المكتب، ثم ضاع من العمر ما شاء الله في غير طلب علم، لأنه ما كان هنالك من يُرَغِّب أو يساعد على طلب العلم، وكنت محبًّا لطلب العلم، وطلبت العلم في (جامع الهادي) فلم أُسَاعَدْ على طلب العلم، وبعد زمن اغتربت إلى أرض الحرمين ونجد، فكنت أسمع الواعظين ويعجبني وعظهم، فاستنصحت بعض الواعظين ما هي الكتب المفيدة حتى أشتريها؟ فأرشد إلى "صحيح البخاري" و"بلوغ المرام"، و"رياض الصالحين"، و"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد"، وأعطاني نُسيخَات من مقررات التوحيد، وكنت حارسًا في عمارة في الحجون بمكة، فعكفت على تلك الكتب، وكانت تعلق بالذهن لأن العمل في بلدنا على خلاف ما فيها، خصوصًا "فتح المجيد".

وبعد مدَّة من الزمن رجعت إلى بلدي أُنْكِرُ كل ما رأيته يخالف ما في تلك الكتب من الذبح لغير الله، وبناء القباب على الأموات، ونداء الأموات، فبلغ الشيعة ذلك، فأنكروا ما أنا عليه فقائل يقول منهم: من بدَّل دينه فاقتلوه، وآخر يرسل إلى أقربائي ويقول: إن لم تمنعوه فسنسجنه، وبعد ذلك قرروا أن يدخلوني (جامع الهادي) من أجل الدراسة عندهم لإزالة الشبهات التي قد علقت بقلبي، ويُدَنْدِنُ بعضهم بقول الشاعر:

عَرَفْتُ هَوَاهَا قَبلَ أن أعرِفَ الهَوَى ... فَصَادَفَ قَلْبًا خَاليًا فَتَمَكّنَا

وبعد ذلك دخلت للدراسة عندهم في جامع الهادي، ومدير الدراسة القاضي (مُطهَّر حَنَش) ، فدرست في "العقد الثمين"، وفي "الثلاثين المسألة وشرحها" لحابس، ومن الذين درَّسونا فيها (محمد بن حسن المُتَمَيِّز) وكنَّا في مسألة الرؤية فصار يسخر من ابن خزيمة وغيره من أئمة أهل السنة، وأنا أكتم عقيدتي، إلا أني ضعفت عن وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة وأرسلت يديَّ، ودرسنا في "متن الأزهار" إلى النكاح مفهومًا ومنطوقًا، وفي شرح الفرائض كتاب ضخم فوق مستوانا فلم أستفد منه.

فلمَّا رأيت الكتب المدرَّسة غير مفيدة، حاشا النحو فإني درست عندهم "الآجرومية" و"قطر الندى"، ثم طلبت من القاضي (قاسم بن يحيى شُوَيْل) أن يدرسني في "بلوغ المرام" وبدأنا فيه، وَأُنكِر علينا ذلك ثم تركنا، فلما رأيت أن الكتب المقررة شيعية معتزلية قررت الإقبال على النحو فدرست "قطر الندى" مرارًا على (إسماعيل حَطَبَة) رحمه الله في المسجد الذي أسكن ويصلي فيه وكان يهتم بنا غاية الاهتمام، وفي ذات مرة أتى إلى المسجد (محمد بن حُوريَّة) فنصحته أن يترك التنجيم فنصحهم أن يطردوني من الدراسة، فشفعوا لي عنده وسكت، وكان يمر بنا بعض الشيعة ونحن ندرس في "القطر" ويقول: (قبيلي صبِّن غِرارة) بمعنى أن التعليم لا يُؤثِّر فيَّ وأنا أسكت وأستفيد في النحو.

حتى قامت الثورة وتركنا البلاد ونزلنا إلى نجران ولازمت (أبا الحسين مجد الدين المُؤيَّد) واستفدت منه خصوصًا في اللغة العربية، ومكثتُ بنجران قدر سنتين، فلما تأكدتُ أن الحرب بين الجمهورية والملكية لأجل الدنيا عزمت على الرحلة إلى أرض الحرمين ونجد، وسكنت بنجد قدر شهر ونصف في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للشيخ (محمد بن سِنَان الحَدَائي) حفظه الله، ولقد كان مكرمًا لي لما رأى من استفادتي وينصحني بالاستمرار مدة حتى يرسلني إلى (الجامعة الإسلامية) ، فتغير عليَّ الجو بالرياض، وعزمت على السفر إلى مكة، فكنت أشتغل إن وجدت شغلًا، وأطلب العلم في الليل أحضر دروس الشيخ (يحيى بن عثمان الباكستاني) في "تفسير ابن كثير"، والبخاري، ومسلم.

وأطالع في الكتب والتقيت بشيخين فاضلين من علماء اليمن:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت