وقال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأنبياء، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته، ويخافون عذابه إلى أن قال رحمه الله:
1 سورة الإسراء آية: 56.
2 سورة الإسراء آية: 57.
ص -379 -
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين، إلى أن قال:
فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجّاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائجهم، وأن الله إنما يهدي عباده، ويرزقهم وينصرهم، بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب،
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا؛ وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى؛ فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، إلى أن قال:
وأما الشفاعة التي نفاها القرآن، كما عليه المشركون
ص -380 -
والنصارى، ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء، والصالحين الغائبين، والميتين، قضاء حوائجهم، ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها; ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنْزلة شركاء الملك؛ والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك، انتهى، ملخصا.
فهذا الذي ذكر الشيخ، رحمه الله، إجماع المسلمين على أن مرتكبه مشرك كافر يقتل، هو الذي زعم داود البغدادي أنه جائز; بل زعم: أن الله أمر به، وأنه معنى الوسيلة التي أمر الله بها، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} 1، وزعم أن الوسيلة التي أمر الله بها، أمر إيجاب، أو استحباب، بطلب الحاجات، وتفريج الكربات، من الأموات والغائبين.
وزعم أن الشرك هو السجود لغير الله فقط، وأن دعاء الأموات، والغائبين، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، ليس بشرك، بل هو مباح; ثم زاد على ذلك بالكذب على الله، وعلى رسوله، وزعم أن الله أمر بذلك، وأحبه; لم يقتصر على دعوى إباحة ذلك، بل زعم: أن الله أمر عباده المؤمنين، أن يقصدوا قبور
1 سورة المائدة آية: 35.
ص -381 -
الأموات، ويسألوهم قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم.
فسبحان الله! ما أجرأ هذا على الافتراء والكذب على الله؟ فلو أن إنسانا ادعى إباحة بعض صغائر الذنوب، كأن يزعم أنه يباح للرجل تقبيل المرأة الأجنبية، لكان كافرا بإجماع المسلمين، وإن زاد على ذلك، بأن قال: إن الله يحب ذلك ويرضاه، فقد ازداد كفرا على كفره، فكيف بمن زعم أن الله أباح الشرك الأكبر؟ ثم زاد على ذلك بأن قال: إن الله أمر به وأحب من عباده المؤمنين أن يسارعوا إليه؟ ما أعظم هذه الجراءة!
ومن كذبه على الله، زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، حتى مفاتيح الغيب الخمس يزعم أن الله أطلعه عليها; وكلام شيخ الإسلام في هذه المسألة كثير، لا يخلو غالب مصنفاته من الكلام عليها; وذكر رحمه الله تعالى، عن بعض علماء عصره أنه قال: هذا من أعظم ما بينته لنا.
وذكر رحمه الله، في"الرسالة السنية"لما ذكر حديث الخوارج، قال: وإذا كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قد مرق من الدين، مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق أيضا; وذلك بأمور; منها: الغلو الذي ذمه الله، كالغلو في بعض المشائخ، مثل: الشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.
ص -382 -
(يُتْبَعُ)