فزاد:"مِنْ جَانِبِ الطُّورِ"وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.
كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال:"سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"، ولم يكرره في القصص، بل قال:"لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ"
فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
قلت:
السر في ذلك أن ولادة موسى بدأت بالخوف في ظل ظروف ابتلاء الله لبني إسرائيل من فرعون فهو يرى قومه مع نشأته في قصر فرعون ذلك العذاب المهين لهم مما أعطى انطباعا ذهنيا طبيعيا في ذلك الجو المشحون بالمفاجآت والمطاردة والتحدي ناسب أن يتكرر الخوف ولكنه الخوف الطبيعي وألمس في الآية إشارة أن الخوف الطبيعي ليس عيبا وإن تكرر من نبي من أولي العزم من الرسل ,ونعلم يقينا أن الله ما اصطفى نبيا إلا وله كمالات نفسية منها الشجاعة ولكن لا يخرج عن حد الطبيعة البشرية ردا على الغلاة من أهل البدع الذين يغالون في وصف أوليائهم بما لا يتفق مع الصبغة البشرية ولعلك تلمس من حياة موسى قوته وشدة تحمله للشدائد مع فرعون وتهديده له"وإني لأظنك يافرعون مثبورا"هالكا إنها مواجهة للحاكم المتجبر فما دونه لا شك أيسروأقدر في التعامل معه و لكن هذه صبغة حياة موسى التي تستلهم منها الاعتدال في الحالة النفسية المطلوبة لكل من يمر بالمحن ثم أن يجعل ثقته وأمله قويا بالله فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأسى به لكثرة ما عانى من قبل أن يأتي بني اسرائيل كرجل قبل نبوته ومن بعد ما جاءهم نبيا قال تعالى عن بني اسرائيل"أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم"وعسى هنا ليس ظنا بل يقينا بنصرالله وأنه سيهلكه إنها كمالات بشرية تصور نبيا ورسولا قدرالله له أن يعيش في أجواء مشحونة ونفسيات مقلقة كما قال تعالى عنه"وفتناك وفتونا"قال العلامة السعدي في تفسيرها:اختبرناك وبلوناك فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك وأطوارك حتى وصلت ما وصلت إليه"ثم جئت على قدر ياموسى".... ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولاتدبير منا بل بقدر ولطف منا وهذا يدل على كما عناية الله بموسى عليه السلام
وقد ذكر الشيخ الحمد رعاه الله
أقسام الخوف:
1 -خوف السر: وهو خوف التَّأَلُّه، والتعبد، والتقرب، وهو الذي يزجر صاحبه عن معصية مَنْ يخافه؛ خشيةً من أن يصيبه بما شاء من فقر، أو قتل، أو غضب، أو سلب نعمة، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته.
فهذا القسم لا يجوز أن يصرف إلا لله - عز وجل - وصَرْفُه له يعد من أجل العبادات، ومن أعظم واجبات القلب، بل هو ركن من أركان العبادة، ومن خشي الله على هذا الوجه فهو مخلص موحِّد.
ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركًا أكبر؛ إذ جعل لله نِدًا في الخوف، وذلك كحال المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم ذلك الاعتقاد، ولهذا يُخَوِّفون بها أولياء الرحمن، كما قال قوم هود - عليه السلام - الذين ذكر الله عنهم أنهم خوفوا هودًا بآلهتهم فقالوا: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) [هود: 54] .
وكحال عباد القبور؛ فإنهم يخافون أصحاب القبور من الصالحين، بل من الطواغيت كما يخافون الله، بل أشد؛ ولهذا إذا توجَّهَتْ على أحدهم اليمينُ بالله أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا، فإن كانت اليمين بصاحب التربة لم يُقْدِم على اليمين إن كان كاذبًا.
وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله.
وكذا إذا أصاب أحدًا منهم ظلمٌ لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب، وإذا أراد أحدهم أن يظلم أحدًا فاستعاذ المظلوم بالله لم يُعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يُقْدِمْ عليه بشيء، ولم يتعرض له بالأذى. (*)
2 -الخوف من وعيد الله: الذي توعد به العصاة، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وهو درجات، ومقامات، وأقسام - كما مضى ذكره قبل قليل -.
3 -الخوف المحرم: وهو أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف الناس.
وكحال من يفر من الزحف؛ خوفًا من لقاء العدو؛ فهذا خوف محرم، ولكنه لا يصل إلى الشرك.
4 -الخوف الطبيعي: كالخوف من سَبُع، أو عدوٍّ، أو هدم، أو غرق، ونحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري؛ فهذا لا يُذَمُّ، وهو الذي ذكره الله عن موسى - عليه السلام - في قوله - عز وجل: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) [القصص: 21] ، وقوله: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) [طه: 67] .
ويدخل في هذا القسم الخوف الذي يسبق لقاء العدو، أو يسبق إلقاء الخطب في بداية الأمر؛ فهذا خوف طبيعي، ويحمد إذا حمل صاحبه على أخذ الأهبة والاستعداد، ويذم إذا رجع به إلى الانهزام وترْكِ الإقدام.
5 -الخوف الوهمي: كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب ضعيف جدًا؛ فهذا خوف مذموم، ويدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجبن؛ فهو من الأخلاق الرذيلة.
ولهذا كان الإيمان التام، والتوكل الصحيح، أعظمَ ما يدفع هذا النوع من الخوف، ويملأ القلب شجاعة؛ فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه الخوف من غير الله، وكلما ضعف إيمانه زاد وقوي خوفه من غير الله.
ولهذا فإن خواص المؤمنين وأقوياءهم تنقلب المخاوف في حقهم أمنًا وطمأنينة؛ لقوة إيمانهم، ولسلامة يقينهم، وكمال توكلهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) [آل عمران: 173 - 174]
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.