وقول الشوكاني: وقيل هو الذي أملاه الأشعري على أصحابه , خطأ وتصحيف , دخل على الشوكاني لاعتياده النقل عن البحر المحيط للزركشي-والإرشاد تبع للبحر مسلوخ منه لا يزيد عليه سوى باختيارات الشوكاني- وتلك الكلمة ذكرها الزركشي في (( البحر المحيط ) ), وابن السبكي في (( الإبهاج ) ): (( قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب الشيخ أبي إسحاق المروزي ببغداد ) ). اهـ والشيخ أبو إسحاق هو أبو إسحاق الشيرازي , وكلام الزركشي يدل على أنه قال تلك الكلمة في كتابه (( شرح اللمع ) ), وأبو إسحاق المروزي توفي سنة أربعين وثلاثمائة (340 هـ) بعد أبي الحسن الأشعري فأصحابه لم يدركوا أبا الحسن الأشعري؛فأتى الشوكاني فظن أن أبا الحسن هذا هو الأشعري،والذي عندي أن أبا الحسن في هذا النص لعله الذي هو أبو الحسن الباهلي البصري صاحب الأشعري ؛ فقول الشوكاني إنه قول الجمهور , خطأ باطلٌ , وإنما هو قولي أبي عليِّ الجبائي , والكرخي , والجصاص , وأبي الحسين البصري , وأصحابهم من المعتزلة , واتبعهم الجويني , والرازي , وأولئك ليسوا جمهور المعتزلة , ولا جمهور الفقهاء ولا المتكلمين.
وقال أبو بكر الجصاص في أصوله: وقول القائل افعل يستعمل على سبعة أوجه: على جهة إيجاب الفعل وإلزامه؛ وعلى الندب؛ وعلى الإرشاد إلى الأوثق والأحوط لنا , وعلى الإباحة , وعلى التقريع والتعجيز , وعلى الوعيد والتهديد , وعلى وجه المسألة والطلب , وذكر الشواهد على ذلك اهـ وجعلها الغزالي في (( المستصفى ) )خمسة عشر وجهًا , وقال: وهذه الأوجه عدَّها الأصوليون شغفًا منهم بالتكبير وبعضها كالمتداخل اهـ , ونقلها عنه الرازي في (( المحصول ) )؛ والآمدي في: (( الإحكام ) ), وغيرهما , وجعلها الزركشي في (( البحر المحيط ) )ثلاثة وثلاثين معنى وقولهم: الصيغة ووزن اللفظ كل ذلك محدث من كلام النحاة وليس من كلام العرب , ولا حجَّة على أن تلك الصيغة أو ذلك الوزن افعل كانت العرب تتكلم به للوجوب وحده , أو للوجوب والندب وحدهما , ثم نقلوه بعد ذلك إلى غيرها , وما كانت تدل عليه تلك الصيغة بلسان العرب القديم الأول , فلا سبيل إلى علمه , ولا حاجة إليه , والله تعالى لم ينزل كتابه ولا بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك اللسان القديم الأول وإنما أنزل كتابه وبعث نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان العرب قوم النبي صلى الله عليه وسلم وتلك الصيغة افعل بلسان أولئك العرب قد تدل على الوجوب , وقد تدل على الندب والإباحة وغيرها , ولابد أن يكون معها ما يدل على ما أريد بها , والآيات والأحاديث التي ذكرت فيها تلك الصيغة منها ما يدل على الوجوب , ومنها ما يدل على الإباحة والندب وغيرها؛ فلا يقال لآية أو حديث منها أريد بها وجوبٌ ولا غيره إلا ببيِّنة , وعمل السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم يدل على ذلك , فقد قالوا في بعض تلك الآيات والأحاديث: إنها تدل على الوجوب , وقالوا في بعضها إنها تدل على الندب أو الإباحة أو غيرها , وتلك الكلمة المحدثة: الأمر حقيقة في الوجوب فلا يصرف إلى غيره إلا بقرينة جعلت كثيرًا من الفقهاء المتأخرين يقولون بوجوب أشياء ما قال أحد من السلف فيها , وتلك الصيغة وحدها ليست حجَّة على الوجوب ولا غيره , ولابد أن يكون معها في نفس الكلام أو غيره ما يبين ما أريد بها؛ فلا يقال إنها تدل على وجوب غيره إلا ببينة.
ـ [ابن رجب] ــــــــ [01 - Mar-2008, مساء 09:16] ـ
أحسنت ابا فهر
ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [01 - Mar-2008, مساء 09:57] ـ
أحسن الله إليك ...
ـ [أبو بكر السعيد] ــــــــ [02 - Mar-2008, صباحًا 12:12] ـ
أحسن الله إليك، ولكن بالمثال يتضح المقال، وجزاك الله خيرا.
ـ [أبو شعبة محمد بن ناجى] ــــــــ [02 - Mar-2008, صباحًا 01:32] ـ
ومحل البحث هنا ليس في الأمر الذي هو (( ألف ولام وميم ) )
لعل الصواب: (( ألف وميم وراء ) )
ـ [ابن الرومية] ــــــــ [02 - Mar-2008, صباحًا 02:25] ـ
بحث مركز دال على طول تتبع وبحث و بذل جهد ووقت ... متتبع لسلسلتكم و مستمتع بتنوعها ... أعانكم الله شيخنا على مواصلة المسير ...
ـ [سراج بن عبد الله الجزائري] ــــــــ [02 - Mar-2008, صباحًا 07:39] ـ
بارك الله فيك؛ أخي الكريم:
أولا: هناك فرق: بين: أن يُثبت بأنّه يُمكنُ لغة و يَصحٌ أََن يُخرَجَ أيٌ لفظ عن معناه الأصيل الذي وُضعَ لَهُ إلى معنى آخر لم يُوضَع له إن وٌجدت القرينة (يعني إثبات صحّة المجاز في كٌلّ المصطلحات العربية عند العرب المعتّد بكلاهم في إثبات الألفاظ العربية) و بين: الكلام عن مسألة جزئية في هل الأمر في العرف الشرعي يفيد من حيث الأصل الوجوب أم لا (كما هو متناول في علم أصول الفقه) .
ثانيا: أيضا بَعضُ من يٌطلقُ: بأنّ الأصل في الأمر الوجوب ما لم توجد القرينة الصارفة مٌرَادٌهُ الأمرُ الشَرعي و ليس الأمرُ اللغوي فاليتنّبه لذلك.
ثالثا: لنأخذ مثال: أنتَ تقول بأنّ إعفاء اللحية واجب كما في مشاركة لك سابقة:
1 -فإن قُلتَ: قول النّبي صلى الله عليه و سلّم:"أعفوا اللحى"، قُلتُ لَكَ لا يَصحُ الإستدلال بهذا إلا إن كُنتَ تُثبت بأنّ الأصل في هذا الأمر الوجوب؟
2 -إن قُلتَ: لأنّ في عدم إعفاء اللحية تغيير لخلق الله فسأقٌولُ لك: على حسب ما أفهمه من مذهبك فإنّه لا ينبغي أن يَصحُ عندك في النهّي الوارد في قول الله تعالى:"فطرة الله التي فَطَرَ النّاس عليها لا تبديل لخلق الله"أن يُطلَقَ فيه بأنّ الأصل فيه التحريم إلا بقرينة إذ إنّ النّهي مثلما يُستعمَلٌ للتحريم فهو الآخر يُستعمَل للكراهة؟ (على طريقة مذهبك)
3 -إذن أين القرينة التي تُفيدُ وجوب إعفاء اللحية و حرمة حلقها في (الأمر الذي جاء في إعفاء اللحية أو النهي عن تغيير خلق الله) ؟
(يُتْبَعُ)