".. (الْمَلّ) بِفَتْحِ الْمِيم: الرَّمَاد الْحَارّ، وَ (تُسِفُّهُمْ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر السِّين وَتَشْدِيد الْفَاء، وَ (الظَّهِير) الْمُعِين، وَالدَّافِع لِأَذَاهُمْ، وَقَوْله: (أَحْلُم عَنْهُمْ) بِضَمِّ اللَّام، (وَيَجْهَلُونَ) أَيْ يُسِيئُونَ، وَالْجَهْل هُنَا الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل، وَمَعْنَاهُ كَأَنَّمَا تُطْعِمهُمْ الرَّمَاد الْحَارّ، وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الْأَلَم بِمَا يَلْحَق آكِل الرَّمَاد الْحَارّ مِنْ الْأَلَم، وَلَا شَيْء عَلَى هَذَا الْمُحْسِن، بَلْ يَنَالهُمْ الْإِثْم الْعَظِيم فِي قَطِيعَته، وَإِدْخَالهمْ الْأَذَى عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْسَانك وَقَبِيح فِعْلهمْ مِنْ الْخِزْي وَالْحَقَارَة عِنْد أَنْفُسهمْ كَمَنْ يُسَفّ الْمَلّ. وَقِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ إِحْسَانك كَالْمَلِّ يُحَرِّق أَحْشَاءَهُمْ، وَاَللَّه أَعْلَم"أهـ.
ارتباط الإحسان إلى القرابة والجيرة بالتوحيد:
يتجلى للمتبصر المتثبت الباحث عن الهداية الراضي من دنياه بالكفاية وجوه ٌ كريمة في ارتباط الإحسان الى الوالدين والأقربين ومن سواهم من جيرة وغيرها بالتوحيد ومنها:
* أن المحسن يرجو جزاءه من الله عز وجل لا من الناس الذين يحسن اليهم كما قال الله تعالى:
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} الإنسان9.
وهذا عين الإخلاص في القصد وهو نصف التوحيد؛ إذ التوحيد يقوم على الإخلاص في العمل والمتابعة لله عز وجل ولرسوله صلي الله عليه وسلم من جهة؛ والاخلاص في القربى والزلفى بالعمل الصالح الى الله وحده من جهة أخرى.
* إن المحسن يطيع الله فيمن أساء اليه فيقدم مرضاة ربه بالعفو عند المقدرة عمن ظلمه، واعطاء من حرمه، وصلة من قطعه ... الخ، على مرضاة نفسه فلا ينتقم من المسيئ، ولا يقطع من قطع بل يصله ويبره، ولا يحرم من حرمه بل يجزل له العطيه رغبة فيما عند رب البرية، قال الله تعالي:
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران134
* إن المحسن الى ذوي القرابة والجيران رغم اساءتهم أو تقصيرهم يجاهد نفسه في مرضاة ربه؛ والمجاهد لنفسه في مرضاة ربه منزلته عند الله عظيمة، فانه يقدم مرضاة ربه على مرضاة نفسه، بل إنه قد ينكر حظ نفسه في مرضاة ربه عز وجل مرة بتقديم أمر ربه على هواه، ومرة بإعطائه الخير لمن يُبْغِضُه و يأباه.
وقد روينا بإسنادنا إلى الامام البخاري رحمه الله في صحيحه قال:
"حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ:"
"أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".
وروينا بإسنادنا الى الامام البخاري رحمه الله في صحيحه أيضًا قال:
"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَفِطْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ"
عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ سُفْيَانُ لَمْ يَرْفَعْهُ الْأَعْمَشُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعَهُ حَسَنٌ وَفِطْرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا".
فإن عرفت يا أخي الكريم فكن، وإن لم تعرف فلتعرف!!
كتبه
أبو عبد الله / ياسين بن خالد الأسطل
فرغت منه في خان يونس
الأربعاء عند آذان العصر
21/ رجب / 1427 هـ
ثم نقلتها من موقعي http://www.sh-ya.net الليلة ليلة الأحد 8/ربيع الأول لعام 1429هـ إلى المجلس العلمي بالألوكة شرفها الله
ـ [المجلسي الشنقيطي] ــــــــ [16 - Mar-2008, صباحًا 12:43] ـ
الحمد لله
بارك الله فيك ايها الشيخ الفاضل ونفعك بك وجعل ما قدمت ذخرا لك يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.
ونعود الى موضوعنا هناك فأقول:
إنما بدأت اوصال الامة تنقطع وعراها تتفكك حينما دبت الانانية في القلوب ونسي الناس هذه الحقوق ..
وقد يسبق الى الذهن في هذه الحقوق الاحسان بالحق المادي الدنيوي
واعظم من ذلك ان يكون الجوار سببا لنصرة الدين و النصيحة و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الاجتماع على التواصي
على الخير ..
فإن جاري انا فلان جاره والثالث جار الثاني و الرابع جار الثالث و الخامس جار الرابع حتى ينتهي بنا التسلسل الى جماعة عظيمة .. وما كان المنكر ليدب في هذه الجماعة العظيمة لو لم تنقطع احدى هذه الحلقات او كثير منها من السلسلة.
و الله أعلم.
(يُتْبَعُ)