أمَّا (وَسَطٌ) - فضفاض تخترعهُ العُقولُ بالأمانيِّ - فقط - يُرادُ منه اجتماع - أيُّ اجتماع! - فَهذا عن الهُدى بَعيد , وصاحبه عن طريق الحقِّ شَريد ...
ونحن فيما نكتب ونُبَيِّنُ - بحمد الله - تعالى - على سَنَنِ سلفنا الصالح سائرون , ولنهجهم سالكون؛
كما قال الإمام سفيان الثوري - فيما رواه أبو نُعَيْم في (الحلية) (7/ 34) :
(( من سَمِعَ بِبِدعَةٍ فلا يَحكِها لِجُلَسائِه , لا يُلقِها في قلوبهم ) )
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - في كتابه
(( سِيَر أعلام النبلاء ) ) (7/ 261) - بعد نقلِهِ هذه الكلمة:
(( أكثرُ أئمة السلف على هذا التحذير , يَرَون أن القلوب ضعيفة والشُّبَه خَطَّافة ) ).
وقد قال الإمام قتادة بن دِعامة السَّدوسي:
(( إن الرجل إذا ابتدعَ بدعةً ينبغي لها أن تُذكر حتى تُحذر ) )
وقال الإمام ابن القيم في (( مدارج السالكين ) ) (1/ 327) :
(( ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة للبدعة , وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذروا وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهَدمُها للدين ومنافاتُها له أشدّ ) )
ونحن في ذلك - أيضًا - إن شاء الله - على سَمتِ الإمام الشافعي - رحمه الله -
وهديه - القائل: (( ما ناظرتُ أحدًا؛ فأحببتُ أن يُخطيء ) ) (5) ...
وروى الخطيب البغدادي في (( تاريخه ) ) (12/ 269) :
أن الإمام الحافظ عفَّان ابن مسلم الصَّفَّار أُعطيَ عشرة آلاف دينار على أن يقفَ عن تعديل رجل (!) , فلا يقول: عدلٌ , ولا غير عدل! فأبى , وقال: (( لا أبطِلُ حقًا من الحقوق ) ) (6) .
وقال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي:
(( سمعتُ الإمام أبا إسماعيلَ عبد الله ابن محمد الأنصاريَّ - بِهَراةَ - يقول: (( عُرِضتُ على السيف خمسَ مرات , لا يقال لي: ارجع عن مذهبك! لكن يُقال لي: اسكت عمَّن خالفك , فأقول: لا أسكت ) ) (7) .
فنحن - والحالة هذه - نكون قد وافقنا الجمع بين الخيرين , وفارقنا الشرَّين؛ حرصًا على إظهار الحقِّ , ورغبةً في اجتماع كلمة أهله ...
وهذا - هكذا - جارٍ على أصل الملة والدين إذ (( مبنى الشريعة على قاعدة تحصيل خير الخَيرين , وتفويت أدناهما , وتفويت شرِّ الشرَّين باحتمال أدناهما. بل مصالح الدنيا كلها قائمة على هذا الأصل (.
وما أجمل قول الصحابي الجليل معاذ بن جبل - رضي الله عنه:
(( اتقوا زَيغةَ الحكيم؛ فإن الشيطان يُلقي على فيّ الحكيم كلمة الضلالة ) ) (9)
ومنه كلمة عبيد الله بن الحسن العنبري:
(( لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحَبَّ إليَّ من أن أكون رأسًا في الباطل ) ) (10)
وروى الإمام اللالكائي في (( شرح أصول اعتقاد أهل السنة ) ) (122)
عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قوله:
(( يجيءُ قومٌ يَتركون من السنة مثل هذا - يعني: مِفصَل الإصبع - فإن تَركتموهم جاؤوا بالطامة الكُبرى ... ) )
وقال: رضي الله عنه:
(( إنَّا نقتدي , ولا نَبْتَدي! ونَتَّبِع ولا نبتدع , ولن نَضِلَّ ما تَمَسَّكنا بالأثر ) ) (11)
ومن نافلة القول التذكير ها هنا بلزوم القراءة في كل شيء للمحتويات وللمضامين , والنظر الصادق الأمين دون الإكتفاء بالوقوف على مجرد العناوين , أو تقليب الصفحات بغير تبين أو تبيين؛ ثم تبني المواقف من بعد إلى الشمال أو إلى اليمين!!!.
وأخيرًا:
نقولُ لأنفُسِنا وأصحابِنا وإخواننا ومشايخنا؛ مُذَكِّرين , وناصحين ومُنَبِّهينَ - فردًا فردًا: (( إصبر نفسك على السنة , وقِف حيثُ وَقَفَ القوم , وقُلْ بما قالوا , وَكُفَّ عمَّا كَفُّوا , واسلُك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يَسَعُكَ ما وَسِعَهُم ) ) (12) (( ولن تخلو الأرض من قائمٍ لله بِحُجَّة ) ) (13) إطفاءًا لنار البدعة , وإعلاءًا لمنار المحجَّة
(1) رواه أبي داود في"سُنَنِه" (1/ 46) , والحاكم (8422) وعبد الرزاق (20750) بسند صحيح.
(2) (( الحجة في بيان المَحَجة ) ) (1/ 431) للإمام الأصبهاني.
(3) (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ) ) (1/ 303) للخطيب.
(4) هو ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ كما في (( سنن الدارمي ) ) (رقم 215) وانظر (( السلسلة الصحيحة ) ) (2005)
لشيخنا الإمام الألباني - رحمه الله -.
(5) رواه ابن حبان في (( صحيحه ) ) (5/ 489) , وأبو نعيم في (( الحلية ) ) (9/ 118) , والبيهقي في (( المدخل ) ) (172) .
(6) وهذا يدل على أهمية الجرح والتعديل , وعظيم مكانته في الدين , ولزوم تطبيقه - في كل زمان ومكان - بقواعده الشرعية وشروطه المرعية و ومن أهله وعارفيه وأصحابه وحامليه ... فلا يغرنكم - إخواننا طلبة العلم - تهويلُ المُهَوِّنِ من شأنِه , وكلامُ المقلِّلِ من قَدرِه!! وفي رسالتي (( الأسس الناصرة لضوابط الجرح والتعديل المعاصرة ) )مزيد بيان.
(7) (( الآداب الشرعية ) ) (1/ 207) لابن مفلح المقدسي الحنبلي.
(الدرر السنية ) ) (11/ 5) .
(9) (( سنن أبي داود ) ) (4611) .
(10) (( الإبانة ) ) (2/ 882) .
(11) (( حلية الأولياء ) ) (1/ 80) .وقد تقدم - قريبًا - طرف آخر منه - مع زيادة تخريج -.
(12) (( تاريخ بغداد ) ) (10/ 308)
(13) (( الحجة في بيان المحجة ) ) (449) للأصبهاني.
(يُتْبَعُ)