وثانيهما: في جانب التقصير والجفاء والتفريط في فهم نصوص الوعد، والصدِّ عن نصوص الوعيد وهو مذهب المرجئة الذين ضلوا في بيان حقيقة الإيمان فجعلوه شيئًا واحدًا لا يتفاضل وأهله فيه سواء، وهو:"التصديق بالقلب مجردًا من أعمال القلب والجوارح"وجعلوا الكفر هو"التكذيب بالقلب، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه"فأنتج هذا مذهبهم الضال:"وهو حصر الكفر بكفر الجحود والتكذيب"المسمى:"كفر الاستحلال".
ومن آثاره: فتح باب التخلي عن الواجبات والوقوع في المحرمات وتجسير كل فاسق وقاطع طريق على الموبقات مما يؤدِّي إلى الإنسلاخ من الدين وهتك حرمات الإسلام. نعوذ بالله من الخذلان.
كما يلزم عليه عدم تكفير الكفار، لأنهم في الباطن لا يكذبون رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما يجحدونها في الظاهر كما قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام/33] .
وقال - سبحانه - عن فرعون وقومه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماًَ وعلوًا} [النحل/14] .
و لهذا قال إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى -"لفتنتهم - يعني المرجئة - أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة".
وقال الإمام الزهري - رحمه الله تعالى:"ما ابتدعت في الإسلام بدعة هي أضر على أهله من هذه - يعني: الإرجاء -"رواه ابن بطة في:"الإبانة".
و قال الأوزاعي - رحمه الله تعالى:"كان يحيى بن كثير و قتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء".
و قال شريك القاضي - رحمه الله تعالى - وذكر المرجئة فقال:"هم أخبث قوم , حسبك بالرفض خبثا , و لكن المرجئة يكذبون على الله".
وقال سفيان الثوري - رحمه الله تعالى:"تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري" [الفتاوى: 7/ 394 - 395]
و عن سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى:"أن المرجئة يهود أهل القبلة , و صابئة هذه الأمة" [رواه ابن بطة وغيره]
· لوازم الإرجاء الباطلة:
و إنما عظمت أقوال السلف في الإرجاء , لجرم آثاره , ولوازمه الباطلة , و قد تتابع علماء السلف على كشف آثاره السيئة على الإسلام و المسلمين.
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في الرد على المرجئة:"ويلزمه أن يقول: هو مؤمن بإقراره , و إن أقر بالزكاة في الجملة و لم يجد في كل مائتي درهم خمسة: أنه مؤمن , فيلزمه أن يقول: إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه , و صلى للصليب , و أتى الكنائس و البيع , و عمل الكبائر كلها , إلا أنه في ذلك مقر بالله , فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا. و هذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم"انتهى.
ثم قال بعده شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"قلت: هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم , جمع في ذلك جملا يقول غيره بعضها. و هذا الإلزام لا محيد لهم عنه .."انتهى [الفتاوى 7/ 401]
ثم إن هذه اللوازم السيئة على قول المرجئة التي ذكرها الإمام أحمد , بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في"الفتاوى: 7/ 188 - 190".
ثم قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في:"النونية"ناظما لآثار الإرجاء ولوازمه الباطلة هذه:
وكذلك الإرجاء حين تقر بالـ ـمعبود تصبح كامل الإيمان
فارم المصاحف في الحشوش و خرب الـ ـبيت العتيق وجد في العصيان
واقتل إذا ما استطعت كل موحد وتمسحن بالقس والصلبان
واشتم جميع المرسلين ومن أتوا من عنده جهرا بلا كتمان
وإذا رأيت حجارة فاسجد لها بل خر للأصنام و الأوثان
و أقر أن رسوله حقا أتى من عنده بالوحي والقرآن
فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا وزر عليك وليس بالكفران
هذا هو الإرجاء عند غلاتهم من كل جهمي أخي شيطان
وقال - رحمه الله تعالى - في: إعلام الموقعين: في بيان تناقض الأَرْئَتِيَّة:"ومن العجب إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان , و أنه مجرد التصديق , والناس فيه سواء , وتكفير من يقول: مُسَيْجِدْ , أو فُقَيْه , أو يصلي بلا وضوء أو يلتذ بآلات الملاهي , ونحو ذلك"انتهى.
(يُتْبَعُ)