فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن النماذج الكثيرة في الخوف وممن اشتهر عنه ذلك من الصحابة: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد كان جالسًا مع بعض تلاميذه, فقال رجل منهم: ما أُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين, وإنما أحب أن أكون من المقربين -وهذه أمنية وليست أمنية ضائعة خاسرة -كما سيمثل الشارح رحمه الله للأماني والأحلام التي لا أساس له من الواقع- إذ أن تلاميذه وجلساءه -رضي الله عنه- كانوا من خيار الأمة حينئذٍ, وهذا تطلع وتشوق من هذا الرجل أن يكون من المقربين, ويرجو ذلك, ولم يقم به مانع يمنعه من أن يكون ممن يتمنى ذلك -وأراد عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن يعلمهم كيفية الخوف, وأن الإنسان يغلب جانب الخوف والحذر، فقال: [[أما إن ها هنا رجلًا يتمنى أنه إذا مات لم يبعث-أي: نفسه- وقال: وددت لو أني شجرة تعضد] ].
من شدة خوفه من حساب الله، ومن لقاء الله، ومن شدة خوفه من أن أعماله -مهما كانت صالحة- قد لا تقبل, وهو من الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، ومن اتهامهم لأنفسهم ولأعمالهم مع ما فيها من خير وصلاح يتمنون أنهم إذا ماتوا لم يبعثوا, فلا لهم ولا عليهم.
وهذا الأثر بقي في مدرسته التي كانت جامعة عظيمة تخَّرج منها خيار الأمة، وكل ذلك من غرس يده -رضي الله تعالى عنه- في الكوفة , ثم بعد ذلك انتشر علمها في أقطار الدنيا.
ومن الملاحظ في سير العلماء التي لو تتبعناها -وجدير بنا أن نتتبعها دائمًا- لوجدنا أن من كان من العلماء أو من العباد الصالحين والزهاد في أول أمره مقارفًا للذنوب والمعاصي, ثم اهتدى فيما بعد, نجد جانب الخوف عنده أكثر, وقد تأملت بعض السير فوجدت هذا, وأظن أن السر والسبب في ذلك لا يخفى؛ لأن الذي نشأ من أصله في تقوى الله وفي طاعة الله لا يحس ولا يستشعر خطر الذنوب والمعاصي كالذي واقعها وقارفها ثم عرف خطرها.
ففي كل حين يأتيه وازع الإيمان في قلبه، ويقول له: كيف لو مت وأنت على تلك الذنوب؟!
كيف لو كانت خاتمتك وأنت تفعل تلك المعاصي والفواحش والموبقات والكبائر؟!
فلذلك نجد أن هؤلاء أشد خوفًا وخشية على أنفسهم من الذنوب والمعاصي من غيرهم ممن لم يكونوا كذلك.
وبرزت في بعض الشخصيات سمات الخوف أكثر مما لدى غيرهم ممن برزت عنده سمات الرجاء.
هرم بن حيان
ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي -رحمه الله- في صفوة الصفوة وهو تهذيبٌ لحلية الأولياء.
يقول: ''خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يؤمان الحجاز فجعلت أعناق رواحلهما تتخالجان الشجر فقال هرم لابن عامر:[[أتحب أنك شجرة من هذه الشجر؟
فقال ابن عامر: لا والله؛ إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من ذلك، فقال له هرم: لكني والله لوددت أني شجرة من هذا الشجر أكلتني هذه الراحلة ثم قذفتني بعرًا، ولم أكابد الحساب يوم القيامة]] '' أي: أنهما خرجا وكانا في العابدين الزاهدين يضرب بهم المثل في ذلك، فخرجا يريدان الحجاز فأخذت رواحلهما ترعى وتأخذ من الشجر, ولكن المؤمنين دائمًا يعتبرون من كل قضية ومن كل حدث يرونه أمامهم، فقال أحدهما للآخر: لو أنك مجرد نبات تأكله الدابة وينتهي شجرة تعضد؟
فرد عليه: لا والله! إني لأرجو أن يكون لي عند الله خير ومنزلة.
فهكذا كان الخوف عند بعض العباد, فقد كان يستحضر في ذهنه الوقوف بين يدي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عندما يكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان.
يقول: [[إما إلى الجنة وإما إلى النار؛ ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى] ] إما إلى الجنة وإما إلى النار! لا يدري ما يفعل به, ولا يدري أين مصيره, لكن لو كان شجرةً وأكلت, لعرف أن هذا هو المصير, وانتهى الأمر, فليس وراءه ما يخاف وما يحاذر من سكرات الموت، ومن ضغطة القبر، ومن سؤال الملكين, ثم النفخ في الصور, ثم الوقوف بين يدي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, ثم أخذ الصحيفة باليمين أو اليسار, ثم عبور الصراط ...
أمور عظيمة جدًا!! فأولو الألباب، وأصحاب العقول التي أيقظها الله تبارك وتعالى بالتفكر في هذه الأمور, وأصحاب القلوب التي أحياها الله تبارك وتعالى بذكره، يأرقون ويألمون ويفزعون لما يستحضرونه وما يستذكرونه من هذه الأهوال التي أمامهم, وليس منها مفر، وليس هناك حيلة .. ولا ملجأ ولامنجى من الله إلا إليه؛ فلذلك يغلب عليهم هذا وإن كانوا لا يستديمونه.
(يُتْبَعُ)