فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
حلمه؟ قال: (( لا والله، بل في عدله ) )وقد بلغ من استقامته على جادة الإسلام أنه قال فيه أمثال قتادة ومجاهد وابي إسحاق السبيعي - وكلهم من الأئمة الأعلام: كان معاوية هو المهدى. والذي يتبع سيرة معاوية في حكمه يرى ان حكومته في الشام كانت حكومة مثالية في العدل والتراحم والتآسى. لم يخبر بين الطيب والأطيب إلا أختار الأطيب على الطيب. فإذا كان هذا المسلك في اربعين سنة يؤهل الأمير المسلم للخلافة على المسلمين وقد ارتضوه لذلك واغتبطوا به فهو خليفة، ومن سماه ملكًا لا يستطيع أن يكابر في أنه من أرحم ملوك الإسلام وأصلحهم، كنا ايام طلب العلم في القسطنطينية في مجلس للطلبة يتناقشون فيه موضوع سيرة معاوية وخلافته. وكان ذلك في ايام السلطان عبد الحميد. فوقف صديقي الشهيد السعيد عبد الكريم قاسم الخليل - وكان شيعيًا - فقال: (( انتم تسمون سلطاننا خليفة، وأنا أخوكم لشيعي أعلن أن يزيد بن معاوية كان بسيرته الطيبة أحق بالخلافة واصدق عملًا بالشرع المحمدى من خليفتنا، فكيف بأبيه معاوية ) ). على أن معاوية كان يقول عن نفسه - فيما رواه خيثمة عن هارون بن معروف عن ضمرة ابن شوذب: (( انا أول الملوك وآخر خليفة ) )،و نقل ذلك الحافظ ابن كثير (8/ 131) عن محمد بن سيرين قال: حدثنا عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري"أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ثم إنه بعد عن ذلك"وقد يظن من لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطاء فللبيئة من التأثير في الحاكم وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم من التأثير على البيئة، وهذا من معاني قول الله عز وجل {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} الرعد 11 بل أن معاوية نفسه ذلك لعمر لما قدم عمر الشام وتلقاه معاوية في موكب عظيم، فاستنكر عمر ذلك، واعتذر له معاوية بقوله: إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام واهله ونرهبهم به )) . فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: (( ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين ) )فقال عمر: من اجل ذلك جشمناه ما جشمناه )) (البداية والنهاية 8: 124 - 125) ، وسيرة عمر التى حاول معاوية أن يسير عليها سنتين كانت المثل الأعلى في بيته، وكان يزيد يحدث نفسه بالتزامها. روى بن ابي الدنيا عن أبي كريب محمد ابن العلاء الهمداني الحافظ عن رشدين المصري عن عمرو بن الحارث الأنصاري المصري عن بكير بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلًا إن وليت؟ قال: كنت والله يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بنى، والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما اطلقها، فكيف بك وسيرة عمر (ابن كثير 8: 229) . والذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم: إنه كان من الزاهدين والصفوة الصالحين. روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (ص 172 طبع مكة) عن ابي شبل محمد بن هارون عن حسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة القرشي عن على بن أبي حملة عن أبيه قال: رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوب مرقوع. وأخرج ابن كثير (8: 134) عن يونس بن ميسر الحميري الزاهد (وهو من شيوخ الإمام الأوزاعى) قال: رأيت معاوية في سوق دمشق، وهو مردف وراءه وصيفًا وعليه قميص مرقوع الجيب، يسير في اسواق دمشق. وكان قواد معاوية وكبار أصحابه يستهدونه ملابسه للتبرك بها، فكان إذا حضر أحدهم إلى المدينة وعليه هذه الملابس يعرفونها ويتغالون في اقتنائها. روى الدارقطني عن محمد بن يحيى بن غسان أن القائد الشهير الضحاك بن قيس الفهرى قدم المدينة، فأتى المسجد فصلى بين القبر والمنبر، وعليه برد مرقع قد ارتدى به من كسوة معاوية، رآه أبو الحسن البراد فعرف أنه برد معاوية فساومه عليه وهو يظنه أعرابيًا من عامة الناس، حتى رضى أبو الحسن البراد أن يدفع له ثلاثمائة دينار. فانطلق به الضحاك بن قيس إلى بيت حويطب بن عبد العزى فليس رداء آخر وأعطى أبا الحسن البراد بلا ثمن وقال له (( قبيح بالرجل أن يبيع عطافه، فأخذه فلبسه ) )فأخذه أبو الحسن فباعه فكان أول مال أصابه (ابن عساكر 7: ص 6) وقد أوردنا هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية تخالف الصورة الكاذبة التى كان أعداؤه واعداء الإسلام يصورونه بها، فمن شاء بعد هذا أن يسمى معاوية خليفة واميرًا للمؤمنين، فعن سليمان بن مهران الأعمش - وهو من الأئة الأعلام الحافظ، وكان يسمى (( المصحف ) )لصدقه - كاد يفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله. ومن لم يملأ عينه وأراد أن يضن عليه بهذا اللقب، فإن معاوية مضى إلى الله عز وجل بعدله وحلمه وجهاده وصالح وعمله، وكان وهو في دنيانا لا يبالى أن يلقب بالخليفة أو الملك، وإنه في آخرته لأكثر زهدًا بما كان يزهد به في دنياه.
انتهى كلام الشيخ الخطيب رحمه الله
أخيرا:
فقد نبتت في هذه الأيام نابتة سوء وكثرت ممن ينالون من صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم و صهره معاوية رضي الله عنه
فصدق من قال
التصوف باب التشيع
و صدق من قال
من أراد معاوية فقد أراد الصحابة
و من أراد الصحابة فقد أراد الإسلام
و الحمد لله رب العالمين
و جزاكم الله خيرا
(يُتْبَعُ)