فهرس الكتاب

الصفحة 5914 من 20085

أما في السنة فقد روي مرفوعًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (( ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء، وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفاقة، ومخافة الله في السر والعلانية ) )رواه الطبراني في"الأوسط": 5/ 328 رقم (5452) وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

وهناك آثار وردت فيها كلمة الإنصاف لكن يشوبها الضعف، ومنها ما ذكره المتقي الهندي في كنز العمال 15/ 347، عن أبي جعفر مرسلا وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أسد الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال والإنصاف من نفسك ومؤاساة الأخ في المال ) )، وعزاه لابن المبارك وهناد والحكيم - عن أبي جعفر حل - عن علي موقوفا. وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة: 1665.

وروى البخاري معلقًا في صحيحه:1/ص19 (طبعة البغا) عن عَمَّار أنه قال: ثَلَاثٌ من جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ من نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ من الْإِقْتَارِ. ورواه موصولًا: ابن أبي شيبة في مصنفه: 6/ 172 رقم (30440) وغيره كما بين ابن حجر في تغليق التعليق: 2/ 36 - 37، وروى البزار والطبراني هذا الأثر مرفوعًا، لكن الأصوب وقفه.

وهناك آثار وأخبار كثيرة عن السلف رضي الله عنهم في هذا المعنى، واستقصاؤها يطول الموضوع.

والمقصود أن سلوك الإنصاف والدعوة إليه مبدأ قرآني كما ورد الحث عليه في غير ما آية، وحثت السنة المطهرة عليه وجعلته من المنجيات، وكذا ورد عن السلف من صحابة وغيرهم امتداح لهذا الخلق، بل هو من مكملات الإيمان كما ورد في كلام عمار رضي الله عنه ولهذا فليس غريبًا أن نجد التطبيق العملي لهذا لمبدأ من الصحابة أنفسهم.

ففي صحيح البخاري 5/ 2278: َعَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه قال: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فقالت: لَا تَسُبُّهُ فإنه كان يُنَافِحُ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية مسلم في صحيحه: 4/ 1933، رقم (2487) عن هِشَامٍ عن أبيه أَنَّ حَسَّانَ بن ثَابِتٍ كان مِمَّنْ كَثَّرَ على عَائِشَةَ فَسَبَبْتُهُ، فقالت: يا بن أُخْتِي دَعْهُ فإنه كان يُنَافِحُ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

فهذا حسان ابن ثابت كان ممن خاض في الإفك، ومع ذلك لم تسمح السيدة عائشة رضي الله عنها لابن أختها عروة بن الزبير أن يسبه بسبب منافحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وموقف آخر من مواقف الإنصاف وهو صادر عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، وكان عمار في جيش معاوية، وفي مقابله كانت السيدة عائشة، فماذا كان موقفه؟؟

روى البخاري في صحيح: 6/ 2600 رقم (6687) عن أبي مَرْيَمَ عبد اللَّهِ بن زِيَادٍ الْأَسَدِيُّ قال: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إلى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بن يَاسِرٍ وَحَسَنَ بن عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ، فَكَانَ الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ في أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ من الْحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إليه فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يقول: إِنَّ عَائِشَةَ قد سَارَتْ إلى الْبَصْرَةِ، ووالله إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم في الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ.

فانظر إلى هذا الأنصاف بالرغم من وجود حرب بينهم، ومع ذلك لم يدفعه هذا للتأليب بالحق والباطل، وتكفير كل من عداه وحاربه، ولهذا قال ابن حجر في فتح الباري: 13/ 58: ومراد عمار بذلك: أن الصواب في تلك القصة كان مع علي، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام، ولا أن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق.

رحم الله عمارًا فقد كان صادق اللهجة، وكان لا تستخفه الخصومة إلى أن ينتقص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب. كما ذكر ذلك ابن هبيرة ونقله عنه ابن حجر في الفتح: 13/ 59.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت