فهرس الكتاب

الصفحة 5917 من 20085

الكامل: 7/ 112: سمعت يزيد بن هارون يقول كنية هشام بن حسان أبو عبد الله ثنا احمد بن محمد بن شبيب ثنا أحمد بن أسد ثنا شعيب بن حرب سمعت شعبة يقول: لو حابيت أحدًا حابيت هشام بن حسان، كان ختني ولكن لم يكن يحفظ.

وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (ترجمة حسين بن أبي السري العسقلاني) : قال أبو عروبة الحراني هو خال أمي وهو كذاب.

فهذه نماذج كما يرى الناظر صدرت عن أهل الحديث خالية من المحاباة وتقديم رابطة القرابة، وهذه قمة الإنصاف، وهي تجعلنا نطمئن إلى أحكام هؤلاء الأعلام ونقداتهم.

2 -الإنصاف مع الخصوم، وهادينا في هذا الصنف هو قول الله تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) ، أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل معهم، والإنصاف مع الخصوم أمرٌ عزيز كما ذكر الذهبي في ترجمة أبي بكر بن العربي، حيث رد على منتقدي أبي بكر الذين تحايدوا الإنصاف، وسعدوا بوقوعه في الخلل والزلل فسارعوا إلى نقده فقال: (سير أعلام النبلاء ج20/ص202 - 203) :قرأت بخط ابن مسدي في معجمه: أخبرنا أحمد بن محمد بن مفرج النباتي سمعت ابن الجد الحافظ غيره يقولون حضر فقهاء إشبيلية أبو بكر ابن المرجى وفلان وفلان وحضر معهم ابن العربي فتذاكروا حديث المغفر، فقال ابن المرجى: لا يعرف إلا من حديث مالك عن الزهري، فقال ابن العربي: قد رويته من ثلاثة عشر طريقًا غير طريق مالك!! فقالوا أفدنا هذا؟ فوعدهم ولم يخرج لهم شيئًا، وفي ذلك يقول خلف بن خير الأديب:

يا أهل حمص ومن بها أوصيكم بالبر والتقوى وصية مشفق

فخذوا عن العربي أسمار الدجى وخذوا الرواية عن إمام متق

إن الفتى حلو الكلام مهذب إن لم يجد خبرا صحيحا يخلق

قلت (الذهبي) : هذه حكاية ساذجة لا تدل على تعمد، ولعل القاضي رحمه الله وهم وسرى ذهنه إلى حديث آخر، والشاعر يخلق الإفك، ولم أنقم على القاضي رحمه الله إلا إقذاعه في ذم ابن حزم واستجهاله له، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم وأحفظ بكثير، وقد أصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة والإنصاف عزيز.

إذًا عدم الإنصاف هو مظنة ما يقع بين الخصوم، ولهذا لما يقع الإنصاف من الخصم اشدد يدك به، وخذه غير ناظر إلى أي أمر آخر، وبخاصة إذا كان متعلقًا بالكفر والإيمان.

ومن ذلك أيضًا ما حصل للعلامة ابن القطان الفاسيصاحب الكتاب الأعجوبة (بيان الوهم والإيهام) : قال المراكشي (الذيل والتكملة: 8/ 2 /433) : (( قرئ على أبي الحسن ابن القطان يوما في مدة العادل ... حديثٌ من أعلام النبوة فتكلم عليه أبو الحسن بما حضره فيمضمنه، ثم ختم الخوض فيه بأن قال: هذا من صفاء باطن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـوشف جوهره في كلام نحو هذا، فنسب إليه القول باكتساب النبوات،وجرت في ذلك طائفة من ثالبيه والطاعنين عليه وكتبوا رسمين، استدعوا في أحد هما شهادة الشهود بمقابلتهتلك، واستدعوا في الآخر فتاوى أهل العلم في قائل تلك المقالة، وأطالوا في ذلكوأعرضوا، ونسبه معظم الفرووعيين؟ إلى البدعة وكفره آخرون منهم، وأجمع المتألبونعليه أنه لا يتم لهم الغرض من هذا العمل إلا بفتيا أبي الحجاج المكلاتي(ت626هـ/1229م) وقال:هو لا شك عدوه المناصب له، وسيغتنم هذه الواقعة للظفر به، والنيل منه، فتوجهوا بالرسمين إليه سائلين حكم الله فيه، واثقين منه بأنه يوجب قتله، أو معاقبته المعاقبة الشديدة، فلما نظر فيهما لم يتوقف عن تمزيقهماوإعدامهما البتة، وأنحى على الساعين في ذلك بأشد اللوم وبالغ في توبيخهم وتقريعهمونال منهم أقبح منال، ثم قال: يا سيئي النظر وقليلي العقل! تعمدون إلى أجلشيوخكم، وأشهر علمائكم، وقد علمتم صيته في الآفاق بأنه وقف حياته، واشتهر طول عمرهفي خدمة السنة وعلوم الشريعة حتى صار من أئمتها والسابقين في ميدان المعرفة بها،وخوضه أبدًا إنما هو مع جلة حملتها، وعظماء نقلتها من عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى عصرنا هذا، وتتعرضون له بمثل هذا السعي القبيح!! فما الذي تفعلون غدًاأو بعد غدٍ معي أو مع أمثالي ممن لا يعمر مجالسه أبدًا إلا بالنظر مع القدريةوالشيعة والرافضة والمعتزلة والكرامية والإباضية والإمامية والإبراهيمية، وغيرهم منالفلاسفة وأهل الأهواء والبدع الحائدين عن مذاهب أهل السنة، ولا يشتغل ألا في ضرببعض أقوالهم ببعض؟؟!! اذهبوا خيَّب الله سعيكم، وأراح الإسلام والمسلمين منكم (( .

فانظر إلى هذا الأنصاف من أبي الحجاج المكلاتي مع خصم هو من ألد خصومه، وبماذا شهد له، ولم تمنعه الخصومة من الانتصار للحق، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، ورحم كذلك أبا الحسن ابن القطان فقد كان من العلماء المبرزين.

هذه بعض مجالات الإنصاف أحببت أن أضعها بين أيدي إخواني، راغبًا أن نستفيد منها، ونتخلق بخلق من ورد ذكره، سائلًا الله أن ينفع به كاتبه، وقارئه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت