فهرس الكتاب

الصفحة 6257 من 20085

ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [14 - May-2008, صباحًا 04:09] ـ

ضع نفسك مكانه

روى الذهبي رحمه الله في السير عن عقيل، ومعمر، عن الزهري، حدثني أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن. قال: لا والله، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب عليَّ. قال مسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينت له. فقال: لا أبرأ من الذنب. فهل تعُدُّ لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان؟ قال: ما تذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإننا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر؟ قال: نعم، قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فو الله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها قال: فخصمني قال عروة فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه ( [1] ) .

من هذا الحوار الجميل المؤدب بين صحابيين جليلين من أصحاب النبي e قد كان في نفس كل منهما شيء على الآخر نستنبط أمرًا مهمًا في التربية ومعالجة الأخطاء لو سرنا عليه في عتاب بعضنا لبعض لاختفت كثير من مفسدات الأخوة وذات البين ولسلمت القلوب المخلصة من الإحن والأحقاد والشحناء والأهواء.

وهذا الأسلوب التربوي المعني هنا مأخوذ من الحوار السابق وذلك لما ذكر المسور بن مخرمة لمعاوية رضي الله عنه كل ما يعرفه من أخطاء معاوية. قال له معاوية ?: فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر؟ قال: نعم، فقال معاوية: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني فو الله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي .. إلخ.

فهذا هو الشاهد من هذا الحوار المناسب لهذه المقالة المعنون لها بـ (ضع نفسك مكانه) .

وعندما يمارس الواحد منا هذا الأسلوب التربوي في عتابه للناس ومعالجة أخطائهم [2] .

فإن الوئام والألفة ستحل محل الفرقة والشحناء والبغضاء وهذا الأسلوب ينفع مع مختلف طبقات الناس وشرائحهم كما يتضح ذلك من الصور التالية:

-ما يكثر من الخلافات العائلية في كثير من البيوت وذلك بين الزوج وزوجته، أو بين الوالد وولده، أو بين الأخ وأخيه، أو بين الرجل وقرابته، حيث تؤدي كثير من هذه الخلافات بفعل الممارسات الخاطئة لعلاج الخطأ والأسلوب الغالظ للعتاب إلى نهايات مؤسفة قد تكون طلاقًا أو قطيعة وهجرانًا أو ظلمًا وعدوانًا.

بينما لو أخذ بالأساليب الشرعية لمعالجة الخطأ ومن بينها هذا الذي طبقه معاوية ? وعبرت عنه بمصطلح (ضع نفسك مكانه) .

أقول: لو طبق هذا الأسلوب مع الأساليب الشرعية الأخرى واختفت حظوظ النفس لساد الوئام ووضع الخطأ في حجمه الطبيعي وأمكن محاصرته وعلاجه.

فمثلًا لو أن الزوجة أخطأت على زوجها أو في بيتها خطأً معينًا وتأكد الزوج من ذلك فإن مما يخفف غضب الزوج وشدة عتابه لزوجته أن يبحث عن الملابسات التي أحاطت بالزوجة حتى وقعت فيما وقعت فيه من الخطأ ثم يضع نفسه مكان زوجته عندما أحاطت بها هذه الملابسات فماذا عساه أن يعمل.

ثم ينظر إلى ضعف عقل المرأة وطبيعتها، ثم يحاسب نفسه فيما لو وقع في نفس الخطأ الذي وقعت

فيه زوجته هل محاسبته ومعاتبته لنفسه بنفس القوة والنقد الذي يوجهه إلى زوجته، إن كل هذه التساؤلات ستقلل من حجم الخطأ وتدفع الزوج إلى معالجته معالجة شرعية تتسم بالعدل والتأني والرغبة في الإصلاح وليس مجرد التشفي وتنفيس الغيظ.

ولا يعمي هذا التغاضي عن الأخطاء وتبريرها وعدم إصلاحها كلا. ولكن المقصود معالجتها بعدل وإنصاف ووضع النفس مكان من صدر منه الخطأ والملابسات التي أحاطت بصاحب الخطأ حتى توضع الأمور في حجمها الطبيعي من غير تهويل وتضخيم.

ومثل هذا يقال للزوجة في معالجتها لخطأ زوجها، وللوالد مع ولده والقريب مع قريبه وكذلك ما يحصل بين عامة الناس وأصحاب المهن المشتركة من خلافات وأخطاء.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت