-قوله تعالى عن آدم: (وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) [طه: 121/ 122] وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم، وعدم إقراره عليها، مع توبته إلى الله منها.
-قوله تعالى (قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين* قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) [القصص: 15/ 16] . فموسى اعترف بذنبه وطلب المغفرة من الله بعد قتله القبطي، وقد غفر الله له ذنبه. وقوله تعالى: (فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ص: 23/ 24] وكانت معصية داود هي التسرع في الحكم قبل أن يسمع من الخصم الثاني.
وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعاتبه ربه سبحانه وتعالى في أمور كثيرة ذكرت في القرآن، منها قوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم) [التحريم: 1] وكذا عاتبه في الأسرى، وفي خبر ابن أم مكتوم.
-وقد يستعظم بعض الناس مثل هذا ويذهبون إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة الدالة على هذا و يحرفونها. والدافع لهم إلى هذا القول شبهتان: الأولى: أن الله تعالى أمر باتباع الرسل والتأسي بهم، والأمر باتباعهم يستلزم أن يكون كل ما صدر عنهم محلًا للاتباع، وأن كل فعل، أو اعتقاد منهم طاعة، ولو جاز أن يقع الرسول في معصية لحصل التناقض، لأن ذلك يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها، من حيث إننا مأمورون بالتأسي به، والنهى عن موافقتها، من حيث كونها معصية.
-وهذه الشبهة صحيحة وفي محلها لو كانت المعصية خافية غير ظاهرة بحيث تختلط بالطاعة، ولكن الله تعالى ينبه رسله ويبين لهم المخالفة، ويوفقهم إلى التوبة منها من غير تأخير.
الثانية: أن الذنوب تنافي الكمال وأنها نقص. وهذا صحيح إن لم يصاحبها توبة، فإن التوبة تغفر الحوبة، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم، بل إن العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته خيرًا منه قبل وقوعه في المعصية كما نقل عن بعض السلف (كان داود عليه السلام بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة) وقال آخر: (لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه) .
ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار، فالأنبياء لا يقرون على ذنب، ولا يؤخرون توبة، فالله عصمهم من ذلك، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها. والله أعلم.
السؤال
لقد سئلت من قبل شاب نصراني أمريكي (يسأل من أجل المعرفة لا من أجل التحدي) . يقول:
كيف تقولون إن الأنبياء معصومون من الخطأ والذنوب والقرآن يقول لمحمد في سورة محمد الآية 19"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ"
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله من الذنوب
ثم إن كيف تقولون إنه معصوم من الخطأ ثم تقولون في الحديث"قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"
فما هذه الذنوب التي غفرها الله له (والتي تقدمت)
زد على ذلك أن سأل أيضا عن قول إبراهيم عليه السلام في الشعراء 82"وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ"
فما هي خطيئة إبراهيم
وسأل أيضا عن قتل موسى عليه السلام للمصري والأية16 من سورة القصص"قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"
وختم أسئلته بأن قرأ علي الآية 29 من سورة يوسف"يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ"
وقال لي, مهما كان جوابك عن الأنبياء, أريد أن أعرف ما الفرق بين ذنب هذه المرأة وذنوب الأنبياء, خصوصا أن الكلمة نفسها مستعملة في هذه الآية وقول سيدنا إبراهيم والأمر لسيدنا محمد بالاستغفار
وختم أيضا بقوله ما تعريفكم للذنب أصلا؟
بارك الله بكم
أخوكم نديم ساجد عائشة
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
(يُتْبَعُ)