فقال: وكيف نصنع فقلت اليوم الجمعة يغتسل المولى عند الرواح ويصلي على العادة بالأقصى موضع مسرى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقدم المولى التصدق بشيء خفية على يد من يثق به ويصلي المولى ركعتين بين الآذان والإقامة ويدعو الله في سجوده فقد ورد فيه حديث صحيح وتقول في باطنك: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل.
(7) ذكر عدله وكرمه رحمه الله تعالى
ولقد رأيته واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم وكان تقي الدين من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده ولكنه لم يحابه في الحق.
وكان رحمه الله يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة.
وأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فلا تطمع فيها حقيقة أصلًا وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي قد تجاربنا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا فكان عشرة آلاف فرس.
(8) ذكر شجاعته قدس الله روحه
وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين إذا كنا قريبًا منهم.
ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون مركبًا على عكا وأنا أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس.
وكان رحمه الله تعالى إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبي واحد على يده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها.
ولقد انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكؤس والعلم وهو رحمه الله ثابت القدم في نفر يسير حتى انحاز إلى الجبل بجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم يزل كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل رحمه الله مصابرًا لهم وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف والهلاك كان فيهم أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة ونحن لا نتوقعها وكانت المصلحة في الصلح
(9) ذكر اهتمامه بأمر الجهاد
قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} ونصوص الجهاد كثيرة.
ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة.
وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد وأنا ممن جمع له فيه كتابًا جمعت فيه آدابه وكل آية وردت فيه وكل حديث روي في فضله وشرحت غريبها.
(10) صبره واحتسابه رحمة الله عليه
ولقد رأيته رحمه الله تعالى وقد جاءه خبر وفاة ولد له بالغ يسمى إسماعيل فوقف على الكتاب ولم يعرف أحدًا ولم نعرف حتى سمعناه من غيره ولم يظهر عليه شيء من ذلك سوى أنه لما قرأ الكتاب دمعت عينه.
ولقد رأيته ليلة على صفد وهو يحاصرها وقد قال لا ننام الليلة حتى تنصب لنا خمس مناجيق ورتب لكل منجنيق قومًا يتولون نصبه وكنا طول الليل في خدمته قدس الله روحه في ألذ مفاكهة وأرغد عيش والرسل تتواصل تخبره بأن قد نصب من المنجنيق الفلاني كذا ومن المنجنيق الفلاني كذا حتى أتى الصباح وقد فرغ منها ولم يبق إلا تركيب خنازيرها عليها وكانت من أطول الليالي وأشدها بردًا ومطرًا.
ورأيته وقد وصل إليه خبر وفاة تقي الدين ابن أخيه ونحن في مقابلة الإفرنج جريدة على الرملة وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير فأحضر الملك العادل وعلم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين وأمر بالناس فطردوا من قريب الخيمة بحيث لم يبق حولها أحد زيادة عن غلوة سهم ثم أظهر الكتاب ووقف عليه وبكى بكاءً شديدًا حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب ثم قال رحمه الله والعبرة تحنقه توفي تقي الدين فاشتد بكاؤه وبكاء الجماعة ثم عدت إلى نفسي فقلت استغفروا الله تعالى من هذه الحالة وانظروا أين وفيما أنتم وأعرضوا عما سواه فقال رحمه الله نعم أستغفر الله وأخذ يكررها ثم قال لا يعلم أحد واستدعى بشيء من الماورد فغسل عينيه ثم أشخص الطعام وحضر الناس ولم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو إلى يافا وعدنا نحن إلى النطرون وهو مقر ثقلنا.
(11) ذكر نبذ من حلمه وعفوه رحمه الله
(يُتْبَعُ)