فمثلًا: الكتابُ المقررُ (بلوغُ المرامِ) والموضوع فيه (كتابُ الصلاة) حضّر حديثًا منه بالرجوع إلى (سُبُل السلامِ) و (فتح الباري) وغيرهما، فينظر الطالب: ما الحصيلةُ التي وَصَلَ إليها. ثم يقارنُ: كيف تعاملَ الشيخُ مع هذا الحديث. لا شك أنه سيخرج بفوائد ربما تكون غائبةً عنه.
والذي ينبغي أن يختار المُعلِّمُ من طلابه من يحسن التدريسَ، ويزيدَه عنايةً، ويبيِّنَ له كيف يعلِّمُ، وكيف يدرِّسُ، وكيف يرتبُ المسائلَ.
قد يأتي طالبٌ إلى معلِّمه قائلًا له: أنا حضرتُ عندك في الدورة في العام الماضي، وسمعتُ منك شرحَ (بلوغ المرام) أو شرحَ (الأربعين النووية) ... فالمُعلِّمُ قد ينسى لكثرة الطلاب، وقد يذكر.
ولكنه لا ينسى الطالبَ المجدَّ؛ لأنه يكوِّنُ عنه فكرةً في تعامله الحسن مع المتنِ، ومع فهمِ الحديثِ، وفي أدبهِ مع معلِّميه.
(( النصيحة الخامسة كتابةُ الفوائدِ من المُعلِّمِ ) )
ولا يتَّكِلُ الطالبُ على ما سُجِّلَ في الدورات السابقة.
وعلى الطالب أن لا يقولَ: لا داعي إلى الكتابة، والتسجيلُ موجود.
وهذا غَلَطٌ كبير يقع فيه بعضُ الطلاب، وكتابةُ الطالب مع الشيخِ مؤثرةٌ في استعداداته العلمية، وفي سلوكه العلمي كما ينبغي، فلا بدَّ للعلم من مشقةٍ ومكابدةٍ ومجاهدةٍ.
وفي الكتابةِ تتكون ملكةٌ في تلخيصِ العلمِ؛ لأنه لا يستطيع أن يكتب حرفيًا ما يقوله المُعلِّمُ، ولهذا ينبغي التفريقُ بين ما نَقَلَهُ الطالبُ إملاءً وبين ما سَمِعَهُ. فقد يكون في كتابة تلخيصِ ما سَمِعَهُ نقصٌ كبيرٌ عما قاله المُعلِّم.
إذًا ما المقصود من الكتابة؟
المقصود أن يتدربَ الطالبُ على ملكة التلخيص، فيسمع ثم يلخص، يُلاحظُ في أول الأمر أن الشيخَ يسرعُ ولم يستطع الطالبُ أن يكتبَ. وفي المرة الثانية يستطيع الطالبُ أن يكتبَ، ولكن فاتَتْهُ أشياءُ، وهكذا يأتيه وقتٌ يكتبُ باستيعابٍ ويستطيعُ الاختصارَ على أروع مثالٍ؛ لأن الملكةَ ترتبت عنده. وهذا ما يكون إلا بِدُرْبَةٍ.
وكيف تكون الدُّرْبةُ؟
تكون الدُّربةُ بالإضافة إلى ما ذُكِرَ بأنْ لا يعتمدَ على التسجيل.
(( النصيحة السادسة الرحمةُ بين الطلاب ) )
قد يكون في هذه الدوراتِ العلميةِ طبقاتٌ مختلفةٌ من الحاضرين:
(1) فمنهم من يَحْضُرُ للعلم.
(2) ومنهم من يَحْضُرُ مبتدئًا.
(3) ومنهم من يَحْضُرُ لمجلس الذكر ويستمع (وبخاصة إن كان بعد الفجر أو في أوقات الإجابة) .
(4) ومنهم من يَحْضُرُ لفائدةٍ ما، ويكتفي بأيِّ شيءٍ يُحَصِّلُهُ.
والذي ينبغي في الحقيقة أن يتعاهدَ طلابُ العلم بعضَهم بعضًا، فيعلِّمَ الطالبُ أخاه المبتدئَ الطريقةَ، ويُسْدي إليه النصيحةَ.
ولهذا ينبغي أن يرحمَ بعضُنا بعضًا في الدروس العلمية، وفي العلم جميعًا.
وربما ابتدأ العلماء متونَهم بالوصية لطالب العلم بالرحمة.
ولهذا تجد في إجازات الحديث أولَ ما ينقلون حديثَ: {الراحمونَ يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا من في الارض يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السماء} هذا الحديث هو المعروف عند العلماء بالمسلسل بالأوَّلِيَّةِ؛ لأن كلَّ شيخٍ يقول عن شيخه: حدثنا شيخُنا فلانٌ، وهو أولُ حديث سمعته منه.
قال: حدثني شيخي فلانٌ، وهو أولُ حديثٍ سمعته منه.
إلى أن يصل إلى طبقة أتباعِ التابعين كلها أول.
سؤال: لماذا يتعلمون حديث {الراحمون يرحمهم الرحمن ... } ؟
الجواب: اعلم - رحمك الله - أن من خصال طالب العلم التي يبارك اللهُ ? بها ويرحمُهُ اللهُ - جلَّ وعلا - أن يكون رحيمًا بمَنْ حولَه يرشدهم، ويعلمهم، ويعينهم .. الخ.
فإذا كنت في طلبك للعلم رحيمًا بالخَلْقِ وبزملائك وبأصدقائك وبالحضور في التعاون والخير فأبشرْ برحمةِ اللهِ - جلَّ وعلا - لك بوعده الصادق بقولِ نبيه - عليه الصلاة والسلام: {الراحمونَ يرحمهم الرحمنُ .. } .
(( الخاتمة ) )
وأسالُ اللهَ - جلَّ وعلا - أن يجعلكم مباركين، وأن ينفع بكم.
ومعنى أن يجعلَ اللهُ فلانًا مباركًا، كما في قول اللهِ - تعالى - في سورة مريم حكايةً عن قول عيسى - عليه السلام: {وجعلني مباركًا أين ماكنت} هو بأن تكون معلِّمًا للعلم.
قال العلماءُ في تفسيرها: المباركُ من عبادِ الله هو الذي يعلِّمُ الناسَ الخيرَ. فأسألُ اللهَ أن يجعلكم مباركين، وأن ينفع بكم، وأن تكونَ هذه الدروسُ العلميةُ مفيدةً لملقيها، ومفيدةً للمتلقي، وأن يباركَ في الجميع، وأن يلهمكم الرشدَ والسدادَ، وأن يمنحنا وإياكم الفِقْهَ في الدين، والتزامَ السنة، وأن لا يكلنا لأنفسنا طرفةَ عينٍ.
إنه سبحانه جواد كريم. اللهم اغفر لنا جميعًا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
نقلتها من رسالة معالي الشيخ صالح آل شيخ وزيرالشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -حفظه الله - الموسومة ب (( الوصايا الجلية لللإستفادة من الدروس العلمية ) )واقتصرت في نقلي على مايهم طالب العلم، أسأل الله أن ينفع بها ..
(يُتْبَعُ)