فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
النص، والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول، بحيث يجب الإيمان به، وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه، ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء، وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم، مثل: المحدث عن غيره، والشاهد على غيره، لا يكون حاكما» (11) ، وقال رحمه الله: «وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، يوالي عليها ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك السنة ويعادون» (12) .
فعلى من يحرص على الوصول للحق أن يتجرد في البحث، وأن يحذر اتباع الهوى، وإياه والتعصب والجمود؛ فإن عاقبة ذلك وخيمة دنيا وأخرى.
3 -البحث عن العلم الذي يعمل به:
بالبحث الدؤوب والقراءة المتواصلة والسؤال عما أشكل تزداد معرفة العبد ويتجلى له الحق.
ولكن المعرفة ذاتها ليست غاية في ذاتها يسعى إليها العبد، بل هي وسيلة للاعتقاد الحسن والفعل الصائب، وطريق لمهابة الله وخشيته وخوف عقابه.
وقد كان ذلك منهج السلف الصالح، وقد استفاضت الآثار عنهم في الدلالة على ذلك، وبيان أن العلم النافع هو ذلك الذي يقود صاحبه للخشية ويدفعه للعمل، ومنها:
قول أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه: «تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم زمان أن يُتَجَمَّل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه» (13) ، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: «يا أيها الناس تعلموا؛ فمن علم فليعمل» (14) ، وقول أبي الدرداء رضي الله عنه: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالمًا لا ينتفع بعلمه» (15) ، وقول الحسن البصري: «إنما الفقيه: العالم في دينه، الزاهد في دنياه، الدائم على عبادة ربه» (16) ، وقول الفضيل: «من أوتي علمًا لا يزداد فيه خوفًا وحزنًا وبكاء خليق بأن لا يكون أوتي علمًا، ثم قرأ: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ} (النجم: 59 - 60) » (17) . وقال التيمي: «من أوتي من العلم ما لا يبكيه خليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه؛ لأن الله نعت العلماء بقوله: {إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء: 107 - 109) » (18) . وقد تجاوز السلف في ذلك مجرد الحث والدعوة إلى التطبيق كما قال الحسن البصري: «قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره وبِرِّه» (19) ، وكما قال مالك: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل» (20) .
فيا من فاق كثيرًا من الناس بعلمه! ما أجدرك أن تفوقهم بعملك، واعلم أن العالم من وافق علمه عمله، واحرص إذا أحدث الله لك علمًا أن تحدث له به عبادة وعملًا.
وإن من أعظم الأمور المعينة لك على ذلك: أن تُعرض عن البحث في المسائل النظرية التي لا يترتب عليها كبير فائدة أو عمل (21) ، وأن تترك المراء فيما تبحث؛ لأنه يقسي القلب، ويزرع الشحناء، ويورث الضغائن. قال الحسن البصري حين رأى قومًا يتجادلون: «هؤلاء قوم ملُّوا العبادة، وخفَّ عليهم القول، وقلَّ ورعهم فتكلَّموا» (22) ، وأن تتذكر أن العمر قصير محدود فلا تجعله يذهب عليك سدى فيما لا ينفع.
4 -امتلاك القدرة على البحث:
لا بد للشخص الذي يريد الإقدام على بحث مسألة من أن يكون قادرًا على ذلك، ولعل من أهم ما يجب توفره فيمن يريد بحث مسألة فقهية ما يلي:
أ - معرفة اللغة العربية وفنون القول فيها (23) .
ب - معرفة المسائل الهامة في أصول الفقه، وأهمها:
-الأدلة الشرعية ومراتبها.
-الحكم الشرعي وأقسامه.
-دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط.
-الناسخ والمنسوخ.
-التعارض والترجيح.
-ترتيب الأدلة.
-مقاصد التشريع.
(يُتْبَعُ)