ثم إن الجهاد في سبيل الله من الأعمال البدنية والمالية وهو واجب إما بالنفس وإما بالمال أو بهما معًا، وأكثر ما يستعمل فيهما، وربما استعمل في الإعلان بالدعوة وتبليغ الشرع وإقامة الحجة أو بالقتال في سبيل الله وقد ورد في القرآن اثنين وثلاثين مرة بوجوه مختلفة:
الأول: الأمر به إفرادًا وجمعا، فالجمع كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة 35) ، وقوله تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (الحج/78) ، والإفراد كقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ (التوبة /73) ، وقوله: وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (الفرقان/ 52) .
قلت: قال في فتح البيان في آية التوبة المذكورة: الأمر للنبي بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده.
الثاني: بذل الجهد بالدعوة سيما القرآن، كقوله وجاهدهم به - أي بالقرآن - جهادًا كبيرا.
الثالث: بمعنى القتال في سبيل الله ببذل النفس والمال، وبهذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (البقرة/218) ، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ (الحجرات/15) .
الرابع: بذكر فضائل الجهاد وفوائده الدنيوية والأخروية، ثم عددها شيخنا نفع الله به.
الخامس: بذكر قبائح ترك الجهاد في سبيل الله، وقد مضت الإشارة إليها.
قال شيخنا: وأما القتال في سبيل الله الذي هو أهم أنواع الجهاد وأكبرها فذكر في القرآن الكريم في صفة أهل الإيمان أربعا وستين مرة على وجوه مختلفة!
ثم ذكرها فسح الله في مدته بالخير والبركة
فيقال لمخترع هذه الشبهة: أي نوع من أنواع الجهاد المذكورة أردت بقولك: لا جهاد إلا بإمام؟!
أتريد الجهاد بالنفس وقتال العدو؟ أم الجهاد بالمال وإنفاقه في سبيل الله؟ أم جهاد المنافقين؟ أم الجهاد بالدعوة إلى الله وتبليغ الشرع؟ أم جهاد النفس والهوى؟ أم جهاد الشيطان؟ أم تريد هذا كله؟ أم تريد بعض هذا دون بعض؟!
فإن حدّ المخالف في ذلك حدًا فألجمه بلجام المطالبة بالدليل، وقل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؟
وليت شعري بأي كتاب أم بأية حجة جعلوا الإمام شرطًا لصحة القتال ولم يجعلوه شرطًا لغيره من أنواع الجهاد المذكورة وكل ذلك مأمور به على حد سواء؟!
فإن قيل: ليس القتال فرضًا في كل حال ولا فرضًا على كل أحد، بخلاف غيره فإنه فرض عين.
قيل: نعم، وليس كونه من فروض الكفايات أو مندوبًا دليلًا على أنه لا يشرع إلا بإمام وإلا لزمكم ذلك في جميع فروض الكفايات والمندوبات.
وقولكم: بخلاف غيره فإنه فرض عين. يقال في جوابه: والجهاد يصير فرض عين في بعض الصور بالكتاب والسنة والإجماع كما هو حكمه في زماننا، فلم قلتم لا يجوز جهاد الدفع اليوم لعدم الإمام؟!
وأيضًا فقولكم: بخلاف غيره فإنه فرض عين لا يسلم، بل من أنواع الجهاد المذكورة ما هو فرض عين، كجهاد الشيطان بعصيانه ومخالفته واتخاذه عدوًا والاستعاذة بالله منه والحذر من خديعته ومكره، وكجهاد النفس والهوى بتطويعها لله تعالى وتعويدها الصبر على طاعته واجتناب معصيته، ومنه ما هو من فروض الكفايات كالجهاد بالعلم وتبليغه ونشره، وكالجهاد بإنفاق المال في سبيل الله يجب على الغني دون الفقير الذي لا مال له.
فإن قيل: الأدلة على وجوب الإمام من الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.
قيل في جوابه: سلمنا، لكن وجوب تنصيبه شيء وكونه شرطًا لصحة الجهاد شيء آخر، وإنما ننازعكم في الثاني لا الأول، فههنا واجبان: تنصيب الإمام، والجهاد في سبيل الله معه، فإن لم يكن الإمام أو عجز المسلمون عنه لم يسقط فرض الجهاد، كما لو عدم إمام الجمعة والجماعة صلى ظهرا ولم تسقط الصلاة عنه، وهكذا الشأن في جميع التكاليف الشرعية إذا عجز المكلف عن الأعلى لم يسقط عنه التكليف بالكلية بل ينتقل إلى الأدنى، وهذا معنى قولهم: الميسور لا يسقط بالمعسور، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ... الآية، فأمره أن يباشر القتال بنفسه ومن نكل فلا عليه منه، ودعوى أن
(يُتْبَعُ)