فهرس الكتاب

الصفحة 7281 من 20085

القول الثاني: أن الأصل في الألعاب الرياضية هو الحل؛ إلا ما استثناه الشرع، وبهذا قال أكثر أهل العلم.

قال الرملي رحمه الله في «منهاج المحتاج» (8/ 280) : «فكل ما اعتمد على الحساب: كالمنقلة حفر، أو خطوط ينقل منها، وإليها حصى بالحساب فلا يحرم» .

وقال ابن قدامة في «المغني» (12/ 172) : «وسائر أنواع اللعب إذا لم يتضمن ضررا، ولا شغلا عن فرض؛ فالأصل إباحته» .

وقال المرداوي في «الإنصاف» (6/ 90) : «قال الشيخ تقي الدين ـ ابن تيمية ـ: «يجوز ما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة» ، يعني بذلك أنواع اللعب.

ثم قال: «قال في (الفروع) : وظاهر كلامه (أي: كلام ابن تيمية) لا يجوز اللعب المعروف بالطاب، والنقيلة، ثم قال: وقال الشيخ تقي الدين أيضا: «كل فعل أفضى إلى محرم حرمه الشرع، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببا للشر، والفساد.

ثم قال: وقال أيضا: «وما ألهى، وشغل عما أمر الله به؛ فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه؛ كبيع، وتجارة، ونحوها» .

وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (7/ 137) : «قوله: «كل ما يلهو به الرجل باطل» ، ليس مراده حراما، وإنما يريد به أنه عار من الثواب، وأنه للدنيا محضا، لا تعلق له بالآخرة، والمباح منه باق، والباقي كله عمل له ثواب».

وقال ابن حجر رحمه الله في «الفتح» (11/ 91) : «إنما أطلق على ما عداها ـ أي الثلاثة ـ البطلان من طريق المقابلة، لا أن جميعها من الباطل المحرم!» .

وكذا قال الغزالي رحمه الله «الإحياء» (2/ 285) في توجيه هذا الحديث: «فهو باطل» ، لا يدل على التحريم؛ بل يدل على عدم الفائدة».

وقد صحح الشوكاني رحمه الله في «نيل الأوطار» (8/ 104) ما ذهب إليه الغزالي هنا بقوله: «وهو جواب صحيح؛ لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح، على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة، وهم يرقصون في مسجده صلى الله عليه و سلم كما ثبت في الصحيح، خارج عن تلكم الأمور الثلاثة» .

وقال ابن القيم رحمه الله في «الفروسية» (172،301) : «وأما القسم الثالث: وهو ما ليس فيه مضرة راجحة، ولا هو أيضا متضمن لمصلحة يأمر الله تعالى بها، ورسوله صلى الله عليه و سلم، فهذا لا يحرم، ولا يؤمر به: كالصراع، والعدو، والسباحة، وشيل الأثقال» .

ولابن تيمية كلام جيد في توجيه معنى هذا الحديث؛ حيث قال في «الاستقامة» (1/ 277) : «وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبة امرأته، فإنهن من الحق» ، والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع، وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات التي تقتضي ذلك: كالأعياد، والأعراس، وقدوم الغائب، ونحو ذلكم، وهذه نفوس النساء، والصبيان، فهن اللواتي كن يغنين في ذلك على عهد النبي صلى الله عليه و سلم، وخلفائه، ويضربن بالدف، وأما الرجال فلم يكن ذلك فيهم؛ بل كان السلف يسمون الرجل المغني: مخنثا، لتشبهه بالنساء» انتهى.

وقال أيضا في موضع آخر (153) : «وأما اللذة التي لا تعقب لذة في دار القرار، ولا ألما، ولا تمنع لذة دار القرار فهذه لذة باطلة، إذ لا منفعة فيها، ولا مضرة، وزمنها يسير، ليس لتمتع النفس بها قدر، وهي لابد أن تشغل عما هو خير منها في الآخرة، وإن لم تشغل عن أصل اللذة في الآخرة.

وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه و سلم بقوله: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل» الحديث، وكقوله لعمر لما دخل عليه، وعنده جواري يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله، وقال: «إن هذا رجل لا يحب الباطل» أخرجه أحمد (3/ 435) ، (4/ 24) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (342) ، ولكنه ورد بسياق آخر في سماع «المدح» ، لا «الغناء» ، انظر «مجمع الزوائد» للهيثمي (8/ 118) ، (9/ 66) .

فإن هذا اللهو فيه لذة؛ ولولا ذلك لما طلبته النفوس!

ولكن ما أعان على اللذة المقصودة من الجهاد، والنكاح فهو حق، وأما ما لم يعن على ذلك فهو باطل، لا فائدة فيه، ولكنه إن لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم، ولم ينه عنه، ولكن قد يكون ما فعله مكروها؛ لأنه يصد عن اللذة المطلوبة؛ إذ لو اشتغل اللاهي حين لهوه بما ينفعه، ويطلب له اللذة المقصودة، لكان خيرا له».

ثم قال أيضا: «ومحبة النفوس للباطل نقص، لكن ليس كل الخلق مأمورين بالكمال، ولا يمكن ذلك فيهم، فإذا فعلوا ما به يدخلون الجنة لم يحرم عليهم ما لا يمنعهم من دخولها» انتهى.

وبعد أن ذكرنا كلام أهل العلم في تفسير معنى الحديث النبوي؛ نستطيع أن نخلص منها إلى أربعة أمور:

الأول: أن معنى «باطل» في الحديث: ما لا ثواب فيه، ولا إثم.

الثاني: أن غير هذه الأنواع المذكورة من اللهو ليست محرمة؛ بل منها ما هو مباح، وما هو ممنوع شرعا.

الثالث: أن هذا المباح يكون مكروها في حق من هو قادر على شغل وقته فيما هو مستحب.

الرابع: إذا كان المباح تعقبه فائدة أخروية، فهو من هذه الثلاثة المباحة.

ومنه يعلم أن هنالك من الألعاب ما هو مباح؛ إلا أنه ليس للمسلم أن يكثر من اللهو، والعبث، والتسلية؛ حتى لا يخرج هذا اللهو عن الهدف الذي شرع من أجله. و الله تعالى أعلم و أحكم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت