وأما الأربعة الذين ذكرهم في الحديث الثاني فالثلاثة الأولون ليسوا بمشركين فإنهم كانوا في دار الدنيا غير مكلفين فلم يتحقق منهم أنهم كانوا مشركين، فهم مستحقون للرحمة بخلاف الكفار المعاندين، أم أن الرحمة عندهم لا تتحقق إلا بشمولها للكفار المعاندين الطاغين، وأما الرابع الذي مات في الفترة ولم تبلغه الدعوة، فالتحقيق عند أهل السنة أن مَن لم تبلغه الدعوة لا يُعَذَّب ويدخل الجنة؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوَلا} [الإسراء: 15] (60) ، فهو مستحق للرحمة أيضًا.
والمعنى في الحديث الثالث أنهما لمَّا فرَّطَا في جنب الله وقصَّرَا في العاجلة في امتثال أمره أُمِرَا هنالك بالامتثال في إلقاء أنفسهما في النار؛ إيذانا بأن الرحمة إنما هي مترتبة على امتثال أمر الله عز وجل، فالحديث في خروج العصاة من الموحدين، ولا يدخل الكفار في المراد من الحديث بدلالة قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] (61) ، فإنهم لو ردوا إلى الدنيا بمتعها وشهواتها وأهوائها لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب بالآيات، والسخرية من المؤمنين، فهم كاذبون في كل ما يدعون، فالآية الكريمة تصور ما طُبِع عليه هؤلاء الجاحدون من فجور وعناد وافتراء؛ لأنهم حتى لو أجيبوا إلى طلبهم على سبيل الفرض والتقدير لما تخلوا عن كفرهم ومحاربتهم للأنبياء وللمصلحين وفعل القبائح التي رأسها الشرك، فهم كاذبون متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال، ولهذا لا ينفعهم مشاهدة ما شاهدوه (62) ، وكذلك قال الله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا} [الإسراء: 72] فأخبر الله أن ضلالهم عن الهدى دائم لا يزول مع معاينتهم الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم، وأيضا قال الله تعالى: {لَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] وهذا يدلك على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة، ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره، ويدل على أنه لا خير فيهم هنالك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه يوم القيامة:"ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا" (63) ، فلو كان عند هؤلاء أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين (64) .
-ولا ظلم في تعذيب الكافر وبقاءه دائما في النار؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيًّا، فعُوقِب دائمًا، فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا (65) ، فالأحاديث في إخراج أقوام من النار مع بقاءها وعدم فنائها.
-ودعواهم أن رحمة الله وسعت كل شيء وسبقت غضبه، فإذا قدِّر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة.
فجوابه أن الله في الدنيا جعل الرحمة والعذاب مختلطتين في معاملة العباد، أما الآخرة فلها أحكام أخرى، فالآخرة داران: دار لا يشوبها شيء من العذاب، وهي الجنة، ودار عذاب لا يشوبها شيء من الرحمة، وهي النار، فقولهم"فإذا قدِّر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة"إن أرادوا به نفي الرحمة مطلقا فليس بصحيح؛ لأن هناك كمال الرحمة في الجنة، وإن أرادوا لم يكن في النار رحمة، فلا اعتراض يصح الرد عليه (66) .
-وأما دعواهم بأن النعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته، فيجب دوامها بدوام معاني أسمائه وصفاته، والعذاب من مخلوقاته والمخلوق قد يكون له انتهاء، لاسيما مخلوق خُلِق لحكمة تتعلق بغيره.
فالجواب هو قاله العلامة السبكي:"قلت: ومن أسمائه تعالى"شديد العقاب"و"الجبار"و"القهار"و"المذل"و"المنتقم"فيجب دوامه بدوام ذاته وأسمائه أيضا."
فنقول لهذا الرجل: إن كانت هذه الأسماء والصفات تقتضي دوام ما يقتضيه من الأفعال فيلزم قِدَم العالم، وإن كانت لا تقتضي فلا يلزم دوام الجنة، فأحد الأمرين لازم لكلام هذا الرجل، وكل من الأمرين باطل، فكلام هذا الرجل باطل" (67) ."
(يُتْبَعُ)