فهرس الكتاب

الصفحة 7463 من 20085

يستحيا من مثلهم.

ويقول ابن رجب في تفسير قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( الإثم ما حاك ) ).. الحديث، يقول:"هو إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند إطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره الناس فاعله وغير فاعله، أي أن فاعله يستنكر ذلك في نفسه، وغير فاعله يستنكر ذلك على من رآه قد فعله، يقول:"ومن هذا المعنى قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح"."

ومما جاء في هذا المعنى أيضًا حديث وابصة بن معبد عند الإمام أحمد والدارمي والطبراني في الكبير بإسناد صحيح -إن شاء الله- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (( جئت تسأل عن البر والإثم؟ ) )قلت: نعم، قال: (( استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) )يقول ابن رجب -رحمه الله-:"وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة"يعنى متى يستفتي الإنسان قلبه؟ يستفتي قلبه إذا لم يجد في المسألة دليلًا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال الصحابة، وليس فيها شيء يمكن أن يعول عليه، يقول:"فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان -يعني لا المؤمن الذي يتتبع الأهواء- المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين"يقول يعني إذا وقع منه شيء وحك في صدره في شبهة موجودة، ولم يجد من يفتي بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه ودينه، يقول: إذا ما وجدت أحد تثق في فتواه في هذه الحالة، وليس في المسألة دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال السلف -رضي الله عنهم- يقول:"بل هو معروف -يعني هذا المفتي- بإتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره، وأن أفتاه هؤلاء المفتون"يعني الذين يتساهلون في الفتاوى.

وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( وإن أفتاك المفتون ) )يقول ابن رجب:"يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وأن أفتاه غيره أنه ليس بإثم، فهذا مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكر عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه مما شُرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره"، يعني قد يفتي العالم لهذا الإنسان فتوى بدليل شرعي ولا يطمئن هذا المُفتَى فهنا عدم الاطمئنان ليس معتبرًا، يقول ابن رجب:"وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال، فهذا لا عبره به"، يريد أن يقول: بأن بعض العامة إذا كان مريضًا مرضًا يصح معه الفطر أو يوجب معه الفطر فأفتاه العالم وقال: ليس عليك صيام مع هذا المرض، فإن بعض العامة لا تطيب نفسه بهذه الفتيا، يقول: هذا لا يعتبر، وهذا الحرج الذي وجد في نفس هذا العامي لا يعتد به، وإنما يرجع الإنسان إلى ما حاك في صدره، وأن أفتاه المفتون حينما لا يكون عندهم دليل في المسألة، ولاسيما إذا كانوا يتتبعون الرخص ويتساهلون، أو أنه سأل رجل ليس أهل للفتيا، فأين هذا ممن يبحثون عمن كان على هذه الشاكلة ابتداءً ويتركون من يقول: قال الله قال رسوله؛ لأن هذا الذي يقول: قال الله قال رسوله قال الصحابة هذا في نظر كثير من هؤلاء -أعني أصحاب الأهواء- هؤلاء ممن يتشددون، وممن أصابهم التحجر، وممن لا زالوا يعيشون في عقلية القرون الوسطى؛ ونحن في كل يوم نقرأ ونسمع أقوامًا يتكلمون بمثل هذا الكلام.

هذا اليوم قرأت لكاتب من الكتاب يعيب رجل تكلم بكلام حق حينما أفتى حينما تكلم بتحريم الموسيقى، وتحريم ظهور النساء على الشاشة الفضية، يتهكم به يقول: هذا تكلم بعقلية القرون الوسطى، لا زال يعيش عصورًا قد عفا عليها الدهر، وتجاوزها الناس، هذا في نظر هذا الكاتب إنسان متحجر لا يُرجع إليه، ولا يسمع لفتواه، وأن جاء بألف دليل من الكتاب والسنة، فالحق في نظر هؤلاء من المتبعين للأهواء هو ما وافق أهواءهم.

وطائفة أخرى الحق عندها ما كان متمشيًا مع معطيات العصر كما يقولون؛ ومع العقلية الغربية التي لا تفهم إلا الأمور المادية، أما الذي يتحدث عن الدليل ويتكلم عن الأحكام الشرعية سواء كانت مدركة من جهة التعليل، أو كانت غير مدركة، فإن هذا في نظرهم لا يصح أن يفتي؛ ولا يصح أن يرجع إليه في الفتيا.

أقول: هذه الأمور التي سمعتموها تورث من سمعها بإذن الله -عز وجل- معرفة بمن يصح أن يُستفتَى، ومن لا يصح أن يستفتى، ومن الذي يؤخذ قوله؟ ومن الذي لا يؤخذ قوله وكلامه وفتياه؟ فينبغي على العاقل المؤمن أن يتبصر، وأن يعتبر، وأن ينظر في الأمر الذي ينجيه عند الله -تبارك وتعالى-، فهو مهما أتبع أقوال هؤلاء المرخصين فإن ذلك لا يطلقه عند الله -عز وجل-، ولا يبرئ ذمته، وإنما الذي يبرئ الذمة هو أن يَستفتي العامي من يثق بعلمه ودينه وورعه.

هذا وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداه مهتدين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت