فهرس الكتاب

الصفحة 7517 من 20085

في هذه الصورة الثانية، لم يحدث نقل للفظ، وإنما الذي حدث هو (تطبيع) استعمال اللفظ في هذا المعنى النادر الذي لا يكاد يوجد في اللسان الأول، فيقع التلبيس على كل من يقصد إلى فهم كلام الله ورسوله، إذ لا يكاد يعقل من هذا اللفظ إلا الدلالة الشائعة عنده الآن، فيُفسر بها اللفظ في موارد مجيئه في كلام الله ورسوله، والحال أن هذه الدلالة الشائعة عنده هي أصلًا نادرة في كلام الله ورسوله وأهل اللسان الأول لا يستعملون فيها اللفظ إلا قليلًا .. ومن تأمل هذه الصورة وجدها تقرب في جنايتها وآثارها الخطيرة من النقل التام لدلالة اللفظ.

الآن نُطبق هذا على لفظ: (( السنة ) ): هذا اللفظ لم يُستعمل في كلام الله ورسوله أصلًا إلا على وفق الدلالة الأولى.

وموارده في كلام الصحابة والتابعين غالبها في الدلالة الأولى، وورودها في كلامهم على وفق الدلالة الثانية لا يكاد يبلغ شيئًا إذا قيس باستعماله في الدلالة الأولى.

ومع ذلك فالذي شاع بعدُ هو استعمال لفظ السنة في الدلالة الثانية وغلبة هذا الاستعمال خاصة في كلام الفقهاء.وحتى صك بعض الفقهاء تعريف السنة فقال: تعني ما يثاب المكلف على فعله ولا يؤاخذ على تركه.

هكذا من غير تعريج على دلالة غيرها، ولفظ السنن للدلالة على مستحبات العبادات ومندوباتها هو الشائع الغالب على كتب الفقهاء.

الآن ما جناية هذا؟؟

الجواب: لا تعد ولا تحصى، فأصحاب المصنفات وكتب السنن يأتون على مثل هذا الأثر:

عن ابن مسعود: (( قال الغسل يوم الجمعة سنة ) ).

فيضعونه في مقابل باب: من قال بوجوب الغسل.

فانظر كيف فُسر لفظ السنة في كلام ابن مسعود على وفق الدلالة النادرة في كلامه وكلام أهل طبقته؛ لمجرد أنها صارت شائعة في طبقة أصحاب السنن والمصنفات.

وأنا هنا لا أمنع أن يكون ابن مسعود أراد الدلالة الثانية، ولكني أطلب ما يعينني على أي الدلالتين أراد، وإنما أنبه كيف صارت الدلالة الثانية هي المتبادرة، رغم كون الحمل عليها أحوج للقرائن من حاجة الدلالة الأولى بكثير .. ورغم كون احتمالات إرادته للدلالة الأولى أكثر بكثير.

وشيخنا ابن وهب عانى قريبًا جدًا من أثر هذه الجناية.

نحن لما نتكلم في تفسير كلام الله ورسوله نقول: أن من أكبر أسباب الخلل = تفسير ألفاظ الوحيين وفقًا للشائع المتبادر لأذهان من استعجم لسانه عن اللسان الأول.

لكنا لا نكتفي بتوصيف الخطأ حتى ننص على سبل الوقاية منه، ورأسها: تقليل دائرة الاستعجام بألا نستعمل فيما بيننا وفي كتبنا وحديثنا = ألفاظ الوحيين إلا وفق النسق الدلالي الذي كانت عليه زمن الوحيين .. زمن اللسان الأول.

فلا ننقل الألفاظ الشرعية .. ولا نرتكب قرين النقل وهو استعمال اللفظ استعمالًا شائعًا في دلالة كانت هي النادرة في زمانهم.

أمثلة للتأمل: على الصورة الثانية للتغير الدلالي (تضييق المعنى) ...

1 -الكلام.

2 -المكروه.

تنبيه: هذا هو تفصيل الكلام في القسم الأول من أقسام العدول عن اللسان الأول؛ وهو العدول عنه بتغيير الدلالات، أما القسم الثاني وهو العدول عن اللسان الأول بتغيير الألفاظ = فلعلي أفرد لتوضيحه مشاركة أخرى ..

ـ [أبو بكر العروي] ــــــــ [12 - Jan-2009, مساء 12:59] ـ

بارك الله فيك أبا فهر

أرأيت لو قيل لك أخي الكريم: لنا في هذه المسألة التي أنكرت سنة متبعة، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جم فهمه وعلو قدره، لم يشاحح نصارى تغلب، لما أبت نخوتهم العربية لفظة"الجزية"وقال لهم"سمّوها ما شئتم"مع أن هذه اللفظة وردت في التنزيل وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إني أنتظر جوابك- أخي الفاضل- لأستفيد، والله الموفق.

ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [13 - Jan-2009, صباحًا 11:24] ـ

أنتظر لفظ الأثر لأنظر فيه وأفيد ..

ـ [أبو بكر العروي] ــــــــ [14 - Jan-2009, صباحًا 12:23] ـ

بارك الله فيك،

ذكر هذه القصة أبو يوسف في"الخراج"و الشافعي في"الأم"وأبو عبيد في"كتاب الأموال"و ابن أبي شيبة في"المصنف"و الفقهاء يذكرونها عند كلامهم على الجزية التي تجب على نصارى بني تغلب وأنها مضاعفة وفقًا لما تصالحوا عليه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قال أبو عبيد:"ثنا أبو معاوية ثنا أبو إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس قال: صالحت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن بني تغلب - بعدما قطعوا الفرات وأرادوا أن يلحقوا بالروم - على ألا يصبغوا صبيا، ولا يكرهوا على دين غير دينهم وعلى أن عليهم العشر مضاعفا من كل عشرين درهما درهم."

وحدثني سعيد بن سليمان عن هشيم قال: ثنا مغيرة عن السفاح بن المثنى عن زرعة بن النعمان - أو النعمان بن زرعة - أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكلمه في نصارى بني تغلب، وكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يأخذ منهم الجزية فتفرقوا في البلاد، فقال النعمان لعمر: يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواش، ولهم نكاية في العدو فلا تعن عدوك عليك بهم، فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن أضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم ألا ينصروا أولادهم""

أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس أنبأ الربيع قال قال الشافعي عقيب هذا الحديث:

"وهكذا حفظ أهل المغازي وساقوه أحسن من هذا السياق فقالوا رامهم على الجزية فقالوا نحن عرب ولا نؤدي ما تؤدي العجم ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا هذا فرض على المسلمين فقالوا فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية ففعل فتراضى هو وهم على أن ضعف عليهم الصدقة"

قال في الفتح: بنو تغلب عرب نصارى همّ عمر رضي الله عنه أن يضرب عليهم الجزية فأبوا قالوا نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ولكن خذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة، فقال عمر: لا هذه فرض المسلمين، فقالوا فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية ففعل وتراضى هو وهم أن يضعف عليهم الصدقة. وفي بعض طرقه:"هي جزية سموها ما شئتم"ا هـ

وقد ضعف ابن حزم في المحلى هذه الرواية و أشار السيد المحقق أحمد شاكر رحمه الله إلى حسنها لتعدد طرقها، والله أعلم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت