واصطحبه الشيخ العقاد مرة لزيارة الشيخ محمد عبد النّبي الذي قدم من الهند زائرا، فلما دخلا عليه وجلس الشيخ العقاد وبقي ابن عابدين في العتبة واقفا بين يدي شيخه حاملًا نعله بيده كما هي عادته مع شيخه. فقال الشيخ للعقاد: مُرّ هذا الغلام السيد فليجلس فاني لا أجلس حتى يجلس، فإنّه ستقبَّلُ يده وينتفع بفضله في سائر البلاد، وعليه نور آل بيت النّبوة.
عرض عليه الشيخ العقاد أن يزوجه ابنته ولكن أباه عارض وقال: أخاف عليك من غضب شيخك وعقوقه إن أغضبت ابنته يوما.
وشجعه الشيخ العقاد على تحرير المسائل وجمع الرسائل ليتقوى على الممارسة في التأليف فكتب حاشية على شرح الشيخ سعيد الأسطواني أحد زملائه في الطلب على نبذة الإعراب، وشرح أيضًا الكافي في العروض والقوافي وكان عمره يومئذ سبع عشرة سنة.
وأجازه الشيخ العقاد نظما ونثرا ومنها قوله:
وكان ممن جدّ في ذا الشأن السيد المفضال ذو الإتقان
محمد أمين بن عمرا من جده بعابدين اشتهرا
لازمني في مدة مديدة قراءة لكتب عديدة
ما بين فقه وحديث شافي وعلم نحو وبيان صافي
ومنطق وعلم آداب حلا وضع عروض والقوافي قد تلا
ثم شرع في قراءة (الدّر المختار) على الشيخ العقاد مع جماعة منهم الشيخ سعيد الحلبي، وتوفي الشيخ العقاد سنة1222هـ ولم تتم قراءة الكتاب. فأتمّه على الشيخ سعيد الحلبي أكبر طلاب الحلقة.وبذلك تبدأ المرحلة الثالثة من حياته وهي الأخيرة.
قرأ على الشيخ سعيد ولزمه واستجازه فأجازه بخطه وختمه، ونظم ابن عابدين قصائد في مدحه ومنها قصيدته التي مطلعها:
ركبنا جواد الفكر في مهمة البر وخضنا بفلك العمر في لجج البحر
وغصنا بصافي اللبّ تيارعمقه إلى أن تحلّينا من الكنز بالدّر
وعدنا وقد أوفى لنا الدّهر وعده وزاحت سحاب الهم عن أفق الصدر
ورعيا لشيخ العصر سيدنا الذي رقى ذروة التحقيق أوحد العصر
وفاق على أهل الفضائل كلّهم بخفض جناح النّفس مع رفعة القدر
وفي حياة هذا الشيخ شرح ابن عابدين الدّر المختار (حاشية ابن عابدين) ، ولمّا مات أسِفَ عليه أسفًا شديدًا.
واتصل ابن عابدين رحمه الله بالشيخ خالد النقشبندي فلقَّنه الطريقة وأجازه، ودافع عنه ضدّ خصومه وكتب في ذلك رسالة بعنوان (سلّ الحسام الهندي في نصرة مولانا خالد النقشبندي) ورثاه بقصيدة مطلعها:
أي ركن من الشريعة مالا
وبالإضافة إلى الإجازات السابقة، إجازه الشيخ إبراهيم وعبد القادر حفيدا الشيخ عبد الغني النّابلسي، وصالح الزجّاج، وهبة الله البعلي، وصالح الأمير المصري، وصالح الفلّاني المدني، وهذان الأخيران أجازاه كتابة.
تولى رحمه الله أمانة الفتوى في عهد المفتي حسين المرادي، وحج سنة 1235هـ، وتحرَّى في حجه الطعام غاية التَّحري مع قلة تناوله له.
ولابن عابدين رحمه الله شعرٌ حسنٌ جميل، منه قصيدة في مدح النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال في مطلعها:
لبيك يا قمرية الأغصان فلقد صدعت القلب بالألحان
لبيك يا من بالبكا أشبهتني لكن بلا فقد من الخلان
نوحي فنوحي في بحار مدامعي تعلو سفينته لدى الطوفان
وترنَّمي وأحبي فؤاد معذب بتذكر الأحباب في نيران
إن رمت كتمان الهوى متكلفًا هيَّجت مني بالبكاء أشجاني
حتى حكت مني الدموع سوافحًا غيثًا همى بدعاء ذي عرفان
يا صاحبي أليس يعذر بالبكا صبٌّ كئيب نازح الأوطان
يقضي الليالي بالهموم وبالأسى مكسور قلب زائد الأحزان
إي والذي هو عالم بضمائري لَيَحِقُّ لي أن أبكي مدى الأزمان
فلقد مضى عمري القصير ولم أفز بزيارتي أرض اللوى والبان
بالله هل تريانِ أسعد لحظة وأخوض رمل أولئك القيعان
وأشم نفح الطيب من أرض الحبيب وترجع الأرواح للأبدان
وقال في وصف الربيع:
مرّت مواشط نسمة الأسحار كيما ترِجّلَ جُمّةَ الأشجار
والقطر جللها بسندس برده وتزينت بلآلىء الأزهار
والنهر صفق والطيور ترنمت في غصنها من نغمة الأوتار
* مؤلفاته:
* الكتب المطبوعة:
• الحاشية: وتسمى (ردّ المحتار على الدّر المختار شرح تنوير الأبصار)
بدأه من باب الإجارة حتى أتمها ثم عاد من أولها فتوفي في أثناء ذلك فبقيت مخرومة من أول ثلثها الأخير تقريبا. والذي أكمله ولده.
(يُتْبَعُ)