ولهذا يقال للأفلاك: كروية الشكل؛ لأن أصل الكرة كورة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقبلت ألفا، وكورت الكارة، إذا دورتها، ومنه الحديث: (إن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة كأنهما ثوران في نار جهنم) ، وقال تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] ، مثل حسبان الرحا، وقال: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، وهذا إنما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث، أو المربع، أو غيرهما، فإنه يتفاوت؛ لأن زواياه مخالفة لقوائمه، والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي، ليس بعضه مخالفا لبعض.)
وقال أيضا (وهذا هو الذي أوقع الاتحادية في قولهم: هو نفس الموجودات؛ إذ لم تجد قلوبهم موجودًا إلا هذه الموجودات، إذا لم يكن فوقها شيء آخر، وهذا من المعارف الفطرية الشهودية الوجودية: أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق، أو وجود آخر مباين له متميز عنه، لاسيما إذا علموا أن الأفلاك مستديرة وأن الأعلى هو المحيط؛ فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجود المخلوق، أو موجود فوقه.)
وقال(إنه لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية الشكل، لا بدليل شرعي، ولا بدليل عقلي.
وإنما ذكر هذا طائفة من المتأخرين، الذين نظروا في علم الهيئة وغيرها من أجزاء الفلسفة، فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع ـ وهو الأطلس ـ محيط بها، مستدير كاستدارتها، وهو الذي يحركها الحركة المشرقية، وإن كان لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ذكر عرش الله، وذكر كرسيه، وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن: إن العرش هو: الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شىء، إما مطلقًا وإما أنه ليس وراءه مخلوق.)
وقال رحمه الله(والشمس والقمر في الفلك، كما أخبر الله ـ تعالى ـ لا تنتقل من سماء إلى سماء.
وليست السموات متصلة بالأرض، لا على جبل قاف ولا غيره، بل الأفلاك مستديرة، كما أخبر الله ورسوله، وكما ذكر ذلك علماء المسلمين وغيرهم، فذكر أبو الحسين ابن المنادي، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي، وغيرهم إجماع المسلمين على أن الأفلاك مستديرة، وقال ابن عباس في قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: في فلكة مثل فلكة المغزل، والفلك في لغة العرب الشىء المستدير، يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار.)
وقال أيضا(ولما كانت الأفلاك مستديرة، ولم يمكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المستقيمة والمنحنية، تكلموا في [الهندسة] لذلك ولعمارة الدنيا؛ فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك، وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير، لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور، وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك، فإن لذات النفوس أنواع، ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار، حتى يشغله ذلك عما هو أنفع له منه.
ورأى الطالب أن هذا مرتبته فوق مرتبة الفقهاء الذين إنما يعرفون الشرع الظاهر، وفوق مرتبة المحدث الذي غايته أن ينقل ألفاظًا لا يعلم معانيها، وكذلك المقرى والمفسر، ورأى من يعظمه من أهل الكلام، إما موافق لهم وإما خائف منهم، ورأى بحوث المتكلمين معهم في مواضع كثيرة لم يأتوا بتحقيق يبين فساد قولهم، بل تارة يوافقونهم على أصول لهم تكون فاسدة، وتارة يخالفونهم في أمر قالته الفلاسفة ويكون حقًا، مثل من يرى كثيرًا من المتكلمين يخالفهم في أمور طبيعية ورياضية ظانًا أنه ينصر الشرع، ويكون الشرع موافقًا لما اعلم بالعقل، مثل استدارة الأفلاك، فإنه لم يُعْلَمْ بين السلف خِلاَفٌ في أنها مستديرة والآثار بذلك معروفة، والكتاب والسنة قد دلا على ذلك. وكذلك استحالة الأجسام بعضها إلى بعض، هو مما اتفق عليه الفقهاء، كما قال هؤلاء، إلى أمور أخر.)
وقال رضي الله عنه (فأما قوله تعالى: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96] ، وقوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] ، فقد قيل: هو من الحساب. وقيل: بحسبان كحسبان الرحا، وهو دوران الفلك، فإن هذا مما لا خلاف فيه، بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك مستديرة لا مسطحة.)