النبي صلى الله عليه وسلم:"ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله"... الحديث"."
وأحب أن أوضح ما أشار إليه شيخ الإسلام في أحد النقول السابقة عنه - والتي نقلناها قبل قليل - وذلك حين ذكر أهل الطائف وكونهم لم يحرموا الربا، فقد شرح ذلك في مكان آخر، ولعلاقته بموضوعنا نورده هنا قال في جوابه عن التتار:"قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد الشام واجب بالكتاب والسنة، فإن الله يقول في القرآن:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الذين كله لله"، والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، ولهذل قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله"وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما دخلوا في الإسلام والتزموا الصلاة والصيام، لكن امتنعوا من ترك الربا، فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا، والربا هو آخر ما حرمه الله، وهو مال يؤخذ برضا صاحبه، فإذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب جهادهم فكيف بمن يترك كثيرًا من شرائع الإسلام أو أكثرها كالتتار"
والخلاصة أن مانعي الزكاة - وفيهم من لم يجحد وجوبها - قد اتفق الصحابة على أنه يجب قتالهم وأنهم مرتدون، ولكن لا يتم هذا إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا طائفة ممتنعة.
الثاني: أن يقاتلوا الإمام على منعها.
فإذا وجد هذان الامران فقد حكم الصحابة جميعًا فيهم أنهم مرتدون.
وهذه المسألة توضح ما سبق بيانه في الحكم بغير ما أنزل الله من الفرق بين الحوادث الفردية المعينة وما جعل نظامًا عامًا يلزم به الجميع، قالمسألتان متشابهتان في مناط الحكم بكفر وارتداد من وقع منه ذلك بشروطه.
وكثيرًا ما ينبه العلماء إلى الفرق بين الواحد والجماعة، والحادث الفردي والواقع الذي يعم الجميع، يقول شيخ الإسلام عن وجوب قتال الرافضة الغلاة ومن شابههم من الغلاة في المشائخ ونحوهم:"وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين، وقتل الواحد المقدور عليه منهم، وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما - أعني عمر وعلي - قتلهما أيضًا، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين، فإن القتال أوسع من القتل …".
وهذه فائدة جليلة وقاعدة مهمة في هذا الباب وفي غيره، وحكم الصحابة على مانعي الزكاة - دون تفصيل - بأنهم مرتدون مبني على هذا.
بقيت مسألة متعلقة بمانعي الزكاة كثيرًا ما يحتج بها المخالفون وهي أنهم يقولون: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته رجع عن قوله الأول بكفر مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، لأنه رد إليهم ما أخذ منهم، وعلى هذا فلا يصح حكاية إجماع الصحابة في ذلك.
وقد كانت هذه المسألة مشكلة - عندي - منذ زمن طويل إلى أن عثرت على جواب لشيخ الإسلام حول هذه المسألة.
فقد ذكر هذه الشبهة الرافضي صاحب منهاج الكرامة، حيث قال وهو يعدد ما وقع بين الصحابة من خلاف:"والخلاف السادس: في قتال مانعي الزكاة، قاتلهم أبو بكر، واجتهد عمر في أيام خلافته، فرد السبايا والأموال إليهم وأطلق المحبوسين". فرد عليه شيخ الإسلام قائلًا:"فهذا من الكذب الذي لا يخفي على من عرف أحوال المسلمين، فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم بعد أن راجعه عمر في ذلك كما في الصحيحين ... فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة، وكذلك سائر الصحابة، وأقر أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها، ولم تسب لهم ذرية ولا حبس منهم أحد، ولا كان بالمدينة حبس لا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا على عهد أبي بكر، فكيف يموت وهم في حبسه، وأول حبس اتخذ في الإسلام بمكة، اشترى عمر من صفوان بن أمية داره وجعلها حبسًا بمكة. ولكن من الناس من يقول: سبى أبو بكر نساءهم وذراريهم، وعمر أعاد ذلك عليهم، وهذا إذا وقع ليس فيه بيان اختلافهما، فإنه قد يكون عمر كان موافقًا على جواز سبيهم، لكن رد إليهم سبيهم، كما ردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هوازن سبيهم بعد أن قسمه بين المسلمين، فمن طابت نفسه بالرد وإلا عوضه من عنده لما أتي أهلهم مسلمين فطلبوا رد ذلك إليهم."
وأهل الردة قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على أنهم لا يمكنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يتركون يتبعون أذناب البقر حتى يُرِى الله خليفة رسوله والمؤمنين حسن إسلامهم، فلما تبين لعمر حسن إسلامهم ردّ ذلك إليهم لأنه جائز"."
وقد أطلنا في هذه النقطة أعني - مسألة موقف الصحابة من قتال المرتدين - وفيهم مانعو الزكاة - لانها تعتبر أول حركة للنكوص عن الإسلام، وتبديل الدين وأحكامه - كما عبر البخاري رحمه الله) إهـ الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه (237/ 250)