فهرس الكتاب

الصفحة 8626 من 20085

أثر الاتباع في الثبات على طاعة الله تعالى

أيها الأحبة: إن الاتباع إنما يعني أن تعمل بكل ما جاء به محمد من عند ربه , إن كان في قرآن أو في سنة , فإن ارعويت لهذا فاعلم أنك مكافؤ من قبل ربك بأن يوفقك لتثبت على دينه وطاعته , قال الله تعالى:"وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ... وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ... وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" (النساء:68,67,66) , وقال جل في علاه:"قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ" (سبأ:50) , ولك أخي القارئ أن تتأمل مرة أخرى في قوله:"وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي"ويوضح هذا ويجليه بصورة أكبر قوله تعالى:"واتبعوه لعلكم تهتدون" (الأعراف:158) .

طلب العلم والعمل به وأثره في الثبات على طاعة الله

معلوم أيها الأحبة أن العلم يورث الخشية من الله , والخشية من الله هي صمام الأمان الذي يقيك من أن تقع في الغواية , فمن خاف الله تحاشى مخالفته وثبت على طاعته , قال الله تعالى:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌغَفُورٌ" (فاطر:28) , وقال الله تعالى:"أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" (الزمر:9) , قال على بن أبي طالب - رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم رباني , ومتعلم على سبيل النجاة , وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيؤا بنور الكتاب والسنة"والمعنى من هذا الإيراد: أن الضلالة والتفريط في الهداية إنما يأتي بسبب الجهل , فتبا للجهل ماذا يفعل بأصحابه , ولقد أغوى إبليس ألف عابد جاهل يسألهم: هل يستطيع ربكم أن يضع هذا الكون في بيضة؟ فينظرون حولهم في عظمة السموات والأرض , فيجيبون بالنفي فيضلون , ولكنه لما سأل عالما , أجابه بالإيجاب وقال له: وفي أصغر من بيضة إذا شاء , إن الله على كل شئ قدير. وإن إنسانا لم يذق مر التعلم ساعة تجرع كأس الجهل والذل طوال حياته."

الصحبة الصالحة وأثرها في الثبات على دين الله

قيل في الزمان السابق: الصاحب ساحب , إما أن يسحبك إلى خير وإما إلى شر , والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال كما عند أبي داوود من حديث أبي هريرة:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل",وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة". وإنني تمر بي أحوال أكاد فيها أن أضل فيسخر الله لي بمنه وكرمه أصدقاء السعادة ويمدون أيديهم إلى ويخرجونني من مستنقع الضلالة , وهناك من الأصحاب من يأخذون بأيدي أصحابهم إلى الضلالة فإياك وإياهم فقد أخرج الترمذي في سننه من حديث أبي سعيد أن رسول الله قال:"لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي".

قصص الصالحين وأثرها في الثبات على طاعة الله

إن الله تعالى كان يثبت رسوله بسرد قصص إخوانه من الأنبياء ليتأسى بهم وليحذو حذوهم ويسير على طريقتهم , قال الله تعالى:"وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" (هود:120) .

أيها الإخوة: لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثبت على طاعة ربه , ولا يتلكأ في تأديتها والقيام بها فكونوا مثله , أخرج البخاري في صحيحه من حديث عائشة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم قال:"اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل وكان إذا عمل عملا أثبته". وفي الحديث دليل على أن التشدد وتحميل النفس فوق ما حملها الله من أهم أسباب الانقطاع عن الطاعة , فاعقلوا هذا يا بارككم الله , بل لقد كان الرسول إذا فاته قيام الليل قضاه من النهار اثنتي عشرة ركعة.

وأخيرا أوصيكم ونفسي بتقوى الله والثبات على طاعته , فإن السعيد من وعظ بنفسه واتقى ربه واستمسك بشرعه ولم يبدل تبديلا , قال تعالى:"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب:23) .

-إخواني الموحدين: هذه كلمات آمنت بها , واعتقدت أن الحق في قولها ونشرها, ولا أدعي العصمة , فهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمنهج الذي جاء به من عند ربه حال حياته ومن بعده , ما كان في هذا المقال من صواب فمن الله وحده , ما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان , وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء, إلا ما رحم ربي , وأستغفر الله إنه كان غفارا, وأما الخطأ فأرجع عنه ولا أتعصب له , إذا دل الدليل الساطع عليه , وأسأله تعالى أن يلهمني رشدي والمسلمين , وأن يثبتني على الحق إلى ان ألقاه , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم: أبو يونس العباسي

مدينة العزة غزة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت