وقال علامة العراق محمود الآلوسي -رحمه الله- مبينا عقيدة أهل نجد عمومًا وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب خصوصًا: «وجميع أهل نجد على اختلافهم في القبائل كما أنهم يعتقدون ما سبق كذلك يعتقدون في الآل والأصحاب ما وردت به السنة والكتاب، ويؤمنون بما ورد في شأنهم من الفضائل، وما روي عنهم من الشمائل، غير أنهم طووا بساط المماراة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتركوا العصبية التي هي من أوكار الباطل وأطنابه، فأولئك الآل الكرام هم الذين يتميز بحبهم المرء من نفاقه، والذين ورثوا النور المبين عمن خصه الله بإشراقه، فالصلاة بهم تمامها وبالصلاة عليهم ختامها، ورحمهم موصولة برحم المكارم، وذمامها، وأولئك السادات من الأصحاب الذين خلطهم بجلدته، وألظّ بهم في شدته، أحبوا فيه وبغضوا، وأنفقوا له واقرضوا، وفرض عليهم الصبر معه على البأساء فما أعرضوا، ولكل من هذين الفريقين مقام معلوم، وسهم في السبق والفضيلة غير مسهوم، ولم يزل أمراؤهم وعلماؤهم يأمرون بالأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيما شجر بين آل النبي وأصحابه، وإظهار العصبية التي تزحزح الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه، وليس مستندها إلا مغالاة ذوي الجهل، وربما نشأ منها فتنة، والفتنة أشد من القتل، فأولئك السادات هم النجوم الذين كان بهم الاقتداء، وبهم كان الاهتداء، وقصارى المسلم في هذا الزمان أن يتعلق منهم سببا، ويأخذ عنهم دينا وأدبا، لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا، نعم: لا يغالون في حبهم فذلك الذي ما أنزل الله به من سلطان ولا اقتضته الرسالة» . تاريخ نجد للآلوسي ص 88 - 89.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن استدلال خليل حيدر بطعون الصوفية في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ما هو إلا نظير الجهود الإيرانية التي دأبت على الاستثمار المعنوي للصوفية للغلو في القبور والمزارات واختراق أهل السنة من خلال جامع البدعة بينهما كما صنعوا بشكل واضح في سوريا ومصر والسودان، وانظر الدراسة التفصيلية لذلك في الدراسة التي أعدها الاستاذ محمد أبو الفضل في صحيفة السياسة بتاريخ 8/ 1/2007م، ص 39.
خذ الصياح بصياح تسلم
خليل حيدر عجز عن الإجابة عن سؤالنا الذي كررنا إيراده عليه وعلى زملائه، وهو أن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ولي الخلافة ست سنوات فائتونا بالدليل على أنه أظهر دينا غير الدين الذين كان عليه الخلفاء الراشدون الثلاثة قبله؟ وأنى لهم أن يأتوا بذلك؟!! بل قد قام الدليل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمر الناس بلزوم سنة الخلفاء الثلاثة قبله، حيث قال رضي الله عنه: «اقضوا كما كنتم تقضون فأني أكره الخلاف» رواه البخاري.
وقصدنا بإيراد هذا السؤال بيان أنهم لا يأتمون بآل البيت المتقدمين، فتحذلق خليل حيدر وأراد أن يجارينا في ذلك وزعم أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والسلفيين غير متوارثة عن الأولين، وهذا جهل صارخ إنما يفزع إليه من لا يعرف حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فهذا أشهر كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب كتاب «التوحيد» شاهد بلزومه عقيدة الصحابة وآل البيت المتقدمين، فمثلا في باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد استدل بآثار آل البيت المتقدمين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، فقد ذكر عن علي بن الحسين رحمه الله أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» . رواه الضياء المقدسي في «المختارة» .
وفي باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين استدل بقول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت»، رواه البخاري
(يُتْبَعُ)