فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا، ثم إن من الأمراض العصرية اليوم ما أثبت الطب من الصخب واللجاجة، وكثرة الأصوات وتزيد فيها، فبأي حق يفعل ذلك إمام المسجد بهؤلاء؟ فهذا ضرر والضرر يُزال شرعًا.
ومنها: ارتكاب الإثم في مخالفة أمر ولي الأمر الذي قضى بمنع رفع الصلاة خارج محيط المسجد؛ فالله الذي أمرنا بأركان الإسلام والإيمان وغيرها هو الذي أمرنا بطاعة ولي الأمر، فهذا الأمر من الإسلام، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} ، ونهانا أن نأخذ بعض الدين ونترك البعض. ومنها: إنه فتح باب ومدخل لمن أراد النَّيل من أئمة المساجد، حيث وجد من قضى رمضان خارج البلاد متذرعًا بهذه الأخطاء، ونحن أحوج ما نكون لإغلاق منافذ المتربصين، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة.
وأما عن الدعاء فقد خالف هؤلاء آدابه فجهروا فيه برفع الصوت، ورتلوه كترتيل القرآن بمدوده وإدغامه وإظهاره، وأطالوا فيه مع التكرار حتى وصل الأمر ببعض المأمومين أن يؤمن وهو يتمنى أن ينتهي الإمام من الدعاء، فذهب الخشوع والرغب والرهب عند المؤمِّن، وقد قال بعض أهل العلم إن من لم يكن في دعائه تضرع وخفية فقد اعتدى في الدعاء لأنه خالف أمر الله {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} ، واعتدى البعض فدعا على أشخاص ودول، والنبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على المشركين يوم أُحد نهاه الله وقال له {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ .. } الآية.
وأما عن اتباع الغرائب والمخالفات فقد وُجد من يقتصر على أحد عشر ركعة طيلة شهر رمضان بحجة التمسك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر كذلك وإنما ليتحدث الناس، وكذلك إنكار ختمة القرآن وتسميتها بدعة وهذه لها أصل من عمل الصحابة وعليها عمل المسلمون، ولكن ليس بهم إلا حب الإغراب والمخالفات.
وهناك أشياء وأشياء، مَن سبر واقع الناس اليوم رأى العجب العجاب.
قلة الفقه في أحكام المساجد، وحب الظهور، والأمن من المساءلة، ومحاكاة ما في نفوس الناس وعواطفهم غير المنضبطة، وحب تجميع الناس وصرفهم إلى بعض الأئمة، وغير ذلك كثير هو الذي جعل هذه الأمور تحصل. والمرجو ممن له من الأمر شيء حسم هذه الأمور، ورد الناس إلى نصاب الحق، وعدم ترك مساجد المسلمين ألعوبة في يد من لا علم ولا فقه له، وإن كان هذا الحاصل قليلًا بالنسبة للخير والصلاح ولله الحمد والمنة، إلا أن الخوف على الأجيال القادمة من الجرأة على الاجتهادات الفردية والاستحسانات المخالفة للحق؛ فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ما سيحصل في آخر الزمان من هذه المصائب، روى الإمام أحمد في المسند عن رجل من أصحاب النبي، قال يزيد لا أعلمه إلا عبسا الغفاري، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ... (وذكر كلامًا) ثم قال: ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمونه يغنيهم وإن كان أقل منهم فقهًا.
وروى أبو داود في حديث طويل عن معاذ بن جبل جاء فيه قوله: إنَّ من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة .. الحديث.
وقال عليه الصلاة والسلام (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) . ولا شك أن من التباهي في المساجد هذه الأخطاء.
نايف بن حمود الرضيمان
معلم العلوم الشرعية في ثانوية تحفيظ القرآن الكريم بحائل
جريدة الجزيرة