وهذا لا يعني أنه لا يوجد في البلديات، أو الشرطة، أو في الحقوق، أو في التجارة من هو على خير وعلى صلاح، ومن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ولا يرتشي، ولا يغش، فالحمد لله بعضها فيها خير كثير، ولكن المقصود من هذا الكلام ليس الأفراد، بل المقصود أصل الولاية.
وفرق بين أن أشعر أني في الهيئة، فأرى أنني أمثل الشرع، وأمثل الدين في حركتي، وكلامي، وفي ذهابي إلى عملي، وأتقيد في أعمالي كلها بأحكام الشرع، وبين أن أشعر أني مجرد موظف إداري، أعمل طبق ما يأتيني من تعليمات، وأخالف فيها ولا أرى أنني آثم، وأزيد عليها ولا أرى أيضًا أنني قمت بما لا يجب، ولهذا بدأنا الموضوع ببيان أن المقصود من الولايات -كلها- أن يكون الدين كله لله، وأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.
الدفاع المدني
الدفاع المدني بجميع فروعه نص الفقهاء في كل كتب الأحكام السلطانية على أنه من اختصاص الحسبة، فالدفاع المدني يفتش المحلات حتى لا يندلع حريق، ويفتش على أسلاك الكهرباء، على الطفايات -مثلًا- وهذه مذكورة بحسب عصرها من ضمن ولاية المحتسب، فإذا حولنا هذه الطاقات وما يتبعها من المعدات والسيارات إلى الهيئة!!
فبعض محلات الدفاع المدني تمر شهور -والحمد لله- لا حريق ولا شيء، فترى الجنود والموظفين جالسين إما للعب أو لذكر الله إن كانوا ممن يذكرون الله، والهيئة تحتاج إلى الجندي الواحد فلا تجده!!
لماذا لا نجعل هذا الشخص العاطل عن العمل في هذه الجهات أو الذي عمله شبه ضعيف، لماذا لا نجعله في جهاز عامل يحتاج إلى طاقة؟ ورواتبهم إنما هي من أموال المسلمين فلا فرق.
وعندما نأخذ بطبيعة التقسيم الشرعي إلى ولايات، نجد أن هذا يريحنا من أمور كثيرة جدًا، وتستقيم أحوال الناس وما يتعلق بشأن الدفاع المدني من الإنقاذ، ومن مكافحة الحرائق، ودرء أسباب الدمار والخراب، كل هذا يقوم به ديوان الحسبة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوضع الطبيعي الصحيح للدولة الإسلامية.
مكافحة المخدرات
كذلك مكافحة المخدرات، والمخدرات كانت معروفة كالحشيش، لكن الآن الفرق أن الصناعة الآن أمريكية متحضرة!! والمفسدة كانت واقعة وموجودة، وكانت بطبيعة الحال من اختصاص رجال الحسبة، فأيضًا تدرج مكافحة المخدرات بأجهزتها ومكافحتها ضمن الهيئة في ديوان الحسبة، فتنقلب -أيضًا- إلى جهاز أكثر نفعًا، وأكثر عملًا، وأجدى في المكافحة، وأردع وأجدر عند الناس؛ لأنها أصبحت ولاية شرعية تتبع الأحكام الشرعية، وتتبع ما يقوله العلماء وتقوم بواجبها خير قيام.
وزارة الأوقاف
بعض صلاحيات وزارة الأوقاف كما يسمى حاليًا منصوص عليه في كتب الأحكام أنه من صلاحيات رجال الحسبة"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ومن أهم ذلك أن الإمام المبتدع لا يولى إمامة المسجد، فيحتسب رجال الحسبة ويبعدون هذا الإمام المبتدع أو الزنديق ويؤتى بالإمام الصالح.
وكذلك الوعظ فهو -أيضًا- جانب وعمل من جوانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بناء المساجد والاهتمام بها ورعايتها فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] أي: ترفع حسًا ومعنىً، ترفع معنىً في قلوب الناس، فترتفع وتصبح أقدس ما عند الناس، وأعظم ما عندهم، وأهم ما في الحي المسجد، فما نريد العشرات من الفلل الفخمة تحيط بمسجد متهدم مكسر، دورة المياه فيه لا يستطيع أحد أن يتوضأ فيها!! فهذا المسجد ما رفع حسًا ولا معنىً، أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] حقيقة ومعنىً، وكذلك حسًا؛ بأن ترفع فلا تعلوها هذه البنايات الشاهقة، وأسوأ من ذلك أن تعلوها بنايات مما حرم الله،
وكذلك حفظ الأوقاف من تعدي الناس عليها، والاهتمام بها، ومراعاتها، كل هذا يدخل ويندرج شرعًا وعملًا -خلال القرون الإسلامية- تحت ولاية المحتسب وديوان الحسبة.
الشئون الصحية
نص العلماء على أن من عمل ديوان الحسبة، مراقبة الأطباء ومعرفة الخبير من غير الخبير، ومنع الذي لا يجيد الطب من التطبيب، حتى القوابل للولادة والتنبيه عليهن، وفصل الرجال عن النساء، وكل ما نعتبره الآن نحن من الرقابة الطبية فقد تكلم فيه العلماء وجعلوه ضمن ولاية المحتسب.
(يُتْبَعُ)