فهرس الكتاب

الصفحة 9024 من 20085

ومنهم من فرق بفرق ثالث وقال: المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل، فكل مسألة علمية استقل العقل بِدَرْكِهَا فهي من مسائل الأصول التي يكفر أو يفسق مخالفها. والمسائل الفروعية هي المعلومة بالشرع، قالوا: فالأول: كمسائل الصفات والقدر، والثاني: كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار.

فيقال لهم: ما ذكرتموه بالضد أولي، فإن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل، إلى أن قال: وحينئذ فإن كان الخطأ في المسائل العقلية التي يقال: إنها أصول الدين كفرًا، فهؤلاء السالكون هذه الطرق الباطلة في العقل، المبتدعة في الشرع، هم الكفار لا من خالفهم، وإن لم يكن الخطأ فيها كفرًا فلا يكفر من خالفهم فيها، فثبت أنه ليس كافرًا في حكم الله ورسوله على التقديرين، ولكن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالًا يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لابد منه، ويكفرون من خالفهم فيها، ويستحلون دمه؛ كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة، وغيرهم.

وأهل السنة لا يبتدعون قولًا، ولا يكفرون من اجتهد فأخطأ وإن كان مخالفًا لهم مستحلًا لدمائهم، كما لم تكفر الصحابة الخوارج، مع تكفيرهم لعثمان وعلى ومن والاهما، واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم.

وكلام هؤلاء المتكلمين في هذه المسائل بالتصويب والتخطئة، والتأثيم ونفيه، والتكفير ونفيه؛ لكونهم بنوا على القولين المتقدمين في قول القدرية، الذين يجعلون كل مستدل قادرًا على معرفة الحق فيعذب كل من لم يعرفه، وقول الجهمية الجبرية الذين يقولون: لا قدرة للعبد على شيء أصلًا، بل الله يعذب بمحض المشيئة، فيعذب من لم يعمل ذنبًا قط، ويُنعِّمُ من كفر وفسق، وقد وافقهم على ذلك كثير من المتأخرين ...

ثم قال: وبهذا يظهر القول الثالث في هذا الأصل، وهو أنه ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورًا أو فعل محظورًا، وهذا هو قول الفقهاء والأئمة، وهو القول المعروف عن سلف الأمة وقول جمهور المسلمين، وهذا القول يجمع الصواب من القولين.

فالصواب من القول الأول قول الجهمية، الذي وافقوا فيه السلف والجمهور، وهو أنه ليس كل من طلب واجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق فيه، بل استطاعة الناس في ذلك متفاوتة.

فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة.

وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومُفْتٍ، وغير ذلك، إذا اجتهد واستدل فاتقي الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة خلافًا للجهمية المجبرة وهو مصيب، بمعني: أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه، خلافًا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب) إهـ مجموع الفتاوى (19/ 217) .

هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله وقد رد على القوم في ضوابطه الثلاثة التي وضعوها في التفريق بين المخطئ في المسائل القطعية أو الظنية المسائل القطعية والظنية دون تفرق بين الأمرين فهل يوجد هناك ضابط واضح يستطيع طالب العلم من خلاله أن يفرق بين حكم المخطئ في الظني أو القطعي وجزاكم الله خيرًا.

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [27 - Oct-2008, صباحًا 08:09] ـ

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

الضابط هو بحسب حال الشخص ..

ففي المسائل القطعية، إن كان حديث عهد بإسلام، أو يعيش في بادية بعيدة، أو متأولًا في جزء من المسألة القطعية (كمن تأول في حلّ الخمر بشرط التقوى، مع إيمانهم بحرمة الخمر عمومًا، وكما تأول بعض الصحابة، كأبي ذر، عدم جواز الصلاة وهو جنب في حال الضرورة، فبقي أيامًا لا يصلي حتى التقى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فبيّن له خطأه) .. فهذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ..

فالمتأول من هؤلاء لا يُحكم عليه بالضلال أو الفسوق، بل إن خطأه مغفور، بإذن الله، ما دام أصل هذه المسائل القطعية متحققة عنده .. حتى تقام عليه الحجة.

أما إن خالف في أصل المسألة القطعية، فهذا يترجّح حاله بين الكفر والضلال ..

هذا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت