ولعل من هذا الباب فعل موسى عليه السلام، لما رأى العصا تهتز كأنها جان فولى مدبرًا ولم يعقب، قال الله تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة النمل: 10 - 11] .
ولعل منه كذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من النهي عن الالتفات في الصلاة، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (4) .
والمعنى الجامع الذي تجده في كل هذه الأخبار، هو المنع عن الالتفات خشية أن يشغل عن إدراك ما كلف المرء به.
وهكذا إن حددت هدفك، وحررت طريقك، وتيقنت من أمرك فامض ولا تلتفت، ولاسيما إن كانت عاقبة الالتفات وبيلة قد تقطعك عن بغيتك وتحرمك مرادك وتقعدك عن أداء التكليف أو تعيقك.
ولهذا كانت مناسبة الأمر للوط عليه السلام وأهله بترك الالتفات ظاهرة في ذلك الموقف فهي دعوة للإمعان في القصد إلى مغادرة القرية، والنجاة بالنفوس أن يصيبها ما أصاب قوم السوء الفاسقين، وهكذا لو قلت لرجل انج بنفسك سوف ينفجر بركان هنا، لم يكن من الحكمة أن يتلفت، بل يعمل طاقته في الهرب من المحذور النازل.
وبهذا تظهر مناسبة التعقيب بقوله تعالى في سورة الحجر: {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [سورة الحجر: 65] ، مع ما قبلها في أول الآية: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [سورة الحجر: 65] .
فأكد النهي عن الالتفات بالأمر إلى قصد الغاية التي منع الالتفات عنها لئلا يقطع دونها.
وتأمل لو خرجت من بيتك قاصدًا مسجدًا والطريق بها عقبات وهوّات، وقد أزف وقت إقامة الصلاة، وجعل يناديك مناد يريد أن يناقشك في وجوب صلاة الجماعة، أو يقنعك بالبقاء وترك المسجد، فإن وقفت معه أضعت الصلاة، وإن التفت إليه توشك أن تقع في حفرة أو تصطدم بعقبة تعيقك، وهكذا السائر في طريق الدعوة المحفوف بالعقبات والصعاب.
وبالجملة إذا حررت هدفك وتثبت من طريقك فاحذر الالتفات عنه فقد يؤدي بك إلى ما لا تحمد عقباه.