حيث قال: (أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله فأخبره أنه يخلق من الطين كهيئة الطير طيرا بإذن الله وكذلك الملك يخلق النطفة في الرحم بإذن الله ولا يجوز أن يريد به أن حياة الله خلقتني وتعلمني فإن الصفة لا تخلق ولا تعلم إنما يخلق ويعلم الرب الموصوف الذي خلق الإنسان من علق الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ولكن هو سبحانه يخلق بواسطة الملائكة فإن الملائكة رسل الله في الخلق فجاز أن يضاف الفعل إلى الوسائط تارة وإلى الرب أخرى وهذا موجود في الكتب الإلهية في غير موضع كما في القرآن الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها وفي موضع آخر حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون وفي موضع ثالث قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون
و قال موضحا و في نفس الكتاب الجزء الرابع الصفحة 46 ما يلي:
(وقال المسيح عن نفسه إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله فلم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله فكيف يكون هذا الخالق هو ذاك الوجه الثاني أنه خلق من الطين كهيئة الطير والمراد به تصويره بصورة الطير وهذا الخلق يقدر عليه عامة الناس فإنه يمكن أحدهم أن يصور من الطين كهيئة الطير وغير الطير من الحيوانات ولكن هذا التصوير محرم بخلاف تصوير المسيح فإن الله أذن له فيه والمعجزة أنه ينفخ فيه الروح فيصير طيرا بإذن الله عز وجل ليس المعجزة مجرد خلقه من الطين فإن هذا مشترك وقد لعن النبي المصورين وقال إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون الوجه الثالث أن الله أخبر المسيح أنه إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى وأخبر المسيح عليه السلام أنه فعله بإذن الله وأخبر الله أن هذا من نعمه التي أنعم بها على المسيح عليه السلام
و قد وقفت على كلام و نقل ماتع للحافظ بن حجر في الفتح عند إيراده لنسبة فعل الخلق للمصورين و هذا نصه كما في الجزء الثالث عشر الصفحة 535
قال ما يلي: (قال بن بطال قوله في حديث عائشة وغيره يقال لهم احيوا ما خلقتم انما نسب خلقها إليهم تقريعا لهم بمضاهاتهم الله تعالى في خلقه فبكتهم بأن قال إذا شابهتم بما صورتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما احيا هو من خلق وقال الكرماني أسند الخلق إليهم صريحا وهو خلاف الترجمة لكن المراد كسبهم فاطلق لفظ الخلق عليهم استهزاء أو ضمن خلقتم معنى صورتم تشبيها بالخلق أو أطلق بناء على زعمهم فيه قلت والذي يظهر ان مناسبة ذكر حديث المصورين لترجمة هذا الباب من جهة ان من زعم انه يخلق فعل نفسه لو صحت دعواه لما وقع الإنكار على هؤلاء المصورين فلما كان أمرهم بنفخ الروح فيما صوروه أمر تعجيز ونسبة الخلق إليهم انما هي على سبيل التهكم والاستهزاء دل على فساد قول من نسب خلق فعله اليه استقلالا والعلم عند الله تعالى)
قلت و بهذا يعلم إن شاء الله تعالى أن نسبة فعل الخلق لبعض المخلوقين إما أن تكون بالإضافة و الواسطة كالأنبياء و الملائكة و هذه خاصة و إما قصد التقدير و هذه عامة لكل المخلوقين و من أكبر الأدلة على ذلك أن الشارع الحكيم نسب للمصورين فعل الخلق قصد التقدير فقال لهم كما صح عند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قال عليه الصلاة و السلام: (( إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم ) )
و نفاه عنهم في حديث آخر عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال (دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، فرأى فيها تصاوير فقال لي: ابتغ لي ماء، فأتيته صلى الله عليه وسلم بماء في دلو، فجعل يبل به الثوب ثم يضرب به الصور ويقول: قاتل الله أقواما يصورون ما لا يخلقون) صححه الألباني في صحيح الجامع 4292
أما جوابا عن السؤال الثاني فأقول و باختصار إن قُصد به تقديره للآلة و الكتابة فلا شيء في ذلك كما سمي فعل من يقطع و يخط قدر الخف بالخلق و هذا موجود و مستعمل في كلام العرب أما إن قصد الإيجاد و الإنشاء على مثال لم يسبق إليه فهذا خاص بالله وحده جل و علا و يا حبذا لو ترك هذا قصد ترك الإلتباس و الله تعالى أعلم و هو أعز و أحكم.
ـ [أبو رغد الأثري] ــــــــ [05 - Apr-2009, مساء 03:02] ـ
جزاك الله خيرا