فهرس الكتاب

الصفحة 9910 من 20085

أولًا: أدوية نافعة لا غنى عنها في حياة المسلمين؛ لأنَّ تطبيقها الذي يَشهَده الناس هو الذي يمنع وقوعها ابتداء ولا يحوج إلى اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود، فهو أسلوب ترْبوي وقائي أكثر من أن يكون انتقامًا بعد الوقوع وليس كالمجتمعات التي تطبق فيها العقوبات الوضعية، ومع ذلك فالجريمة تزداد فيها ازديادًا هائلًا بما يتبع ذلك من الفساد والانحلال المترامي بالأمم إلى الهلاك والاندحار، علاوة على ما يَنْتَظِر الناس في الآخرة، وأيضًا ففي تطبيق العقوبة الشرعية تربية عمليَّة على أخذ الإسلام بقوة وجديَّة، فالأمر جِدٌّ لا هَزْل فيه، فيعود ذلك بالخير الكثير على الأمة في دينها ودنياها.

وثانيًا: بمقارنتها بعذاب الله في الآخرة، فمثلًا إذا كان الرَّجْم قتلًا بالحجارة بإيلام وعذاب، فهو رَدْعٌ وزجْرٌ عن الوقوع في الزنا وانتشاره في الناس، ثم هو تطهيرٌ لِمَنْ أقيم عليه، حيث لا يحتاج بعده إلى تطهيره منه في النار، ولا نسبة لآلام الرَّجم لدقائقَ معدودةٍ إلي عذاب الحريق، وعذابٍ بطعام الزَّقُّوم الذي يغلي في البطون كغلي الحميم، وعذاب بشرابِ الحميم والمهل يشوي الوجوه، وعذابٍ بمقامع من حديد، وعذابٍ بِصَبٍّ الحَمِيم فوق الرَّأس، وعذاب بالسحب على الوَجْه في النار، وعذاب بالأغلال والأنكال، وغير ذلك كثير من الأهوال ولمدة لا يعملها إلا اللهُ، فأين الرَّجْم من هذا!!! وإنما يَسْتَبشِعُه من لا يؤمن باليوم الآخر، أو من يؤمن به إيمانًا مُجْملًا ضعيفًا لا يعلم عن أهواله وتفاصيله شيئًا إلا القليل النادر وبدون تَصَوُّر، قال تعالى: (( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) )يعني قَلَّ أو انْعَدَم عِلمُهم بالآخرة وتفاصيلها، وكذلك يَسْتَبْشِعُه من لا يعلم عن صفات الله إلاّ أنه الخالق الرزاق الرحمن الرحيم الطَّيِّب وهكذا مِنْ صِفَاتِ البِرِّ والإحسان والرَّحمةِ، لكن لا يعلم قوله: (( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) )وقوله: (( إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ) )وقوله: (( نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ ) )وقوله: (( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) )وقوله: (( فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) )وقوله: (( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) )وقوله: (( وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ) )وأن الله هو الملك الحَقِّ وقد تَجَّرأ عَبِيدُه عليه.

وهو الذي قال لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) ).

إنه تعالى لا يَلْعَب ولا يَعْبث بخلقه السماوات والأرض والناس، بل خلقهم ليعبُدوه فيكونوا مَحلًا لإكرامه وفَضْله، ومن أبى يكون محلًا لِبطْشِه وعَدْلِهِ، فله تعالى حَقُّ العبادة والخضوع لأمره ونهيه، والاسْتِسْلام لأحكامه، والموافقة له فيما يحب ويكره، وفيما يوالي ويعادي، والمجاهدة في سبيله، أما هؤلاء الذين يسْتَبْشِعُون الحدود والأحكام فهم غالبًا لا يرَوْن لله حَقًّا إلا أنه يخْلقُ ويرزق ويُطْعِم ويَسْقِي ويَشْفِي ويُنَعِّم وانتهى الأمر، يعني كأنه سبحانه خادم لهم بلا حقوق، فلا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله.

7 ـ يعتمدٌ النِّظَامُ الإسْلامي في امْتِنَاع النَّاس عن الجريمة وقبول أحكامها واحْترِامِهَا، يَعْتمد على تَرْبيَة القلب على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى مراقبة الله وخَوفِ مَقَامِهِ وعقابِه ورَجَاءَ لِقَائِهِ وثوابه ورحمته، وذلك كما سبق بمعرفة أسْماء الله وصفاتِهِ وآثارها ومقتضياتها، ومَعْلُوم أنَّ القَلْبَ مَلِكٌ والأعْضَاء جُنُودُه، فإذا صَلَح القَلْبُ صَلح الجَسَدُ كلُّه، فإذَا جَاءَ الحكْمُ الشَّرعِيُّ مُخَالِفًا للهوى ومقتضى الشَّهْوة، فإن القَلِب يُخْبِتُ لله ويَوْجلَ ويدفع اللِّسَانَ لأَن يَقُول سَمِعْنَا وأطَعْنا، والأعْضَاءَ لِمُسارعة الالتزام بالحكم. ولأهَمِّيةِ هذا الأَمْر نَضْربُ له

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت