فهرس الكتاب

الصفحة 997 من 20085

وهاكم نص الحديث كما أورده البخاري، ولنفتش سويًا عما زعمه المؤلف من تبرك ابن عمر رضي الله عنهما بهذه الأماكن، قال البخاري: (( حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا فضيل بن سليمان قال: حدثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة وسألت سالمًا فلا أعلمه إلا وافق نافعًا في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء ) )أ. هـ، فأين في الحديث أن ابن عمر كان يتبرك بهذه الأماكن حتى يرتب عليها المؤلف كلامه السابق؟! وكذا تبويب البخاري: (( باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ) )أين فيه مشروعية التبرك بهذه المساجد والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم؟! وهذا يؤكد ما ذكرته من أنَّ مبنى خطأ المؤلف هو الخلط بين ما كان يفعله الصحابة اقتداءً واتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا يفعلونه تبركًا.

أما زعمه أن عمر رضي الله عنه لم ينكر على ابنه عبدالله فجوابه: أنه أنكر على جمع من الصحابة فعلوا فعل ابن عمر رضي الله عنهم، فعن المعرور بن سويد الأسدي قال: (( وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرف إلى المدينة، وانصرفت معه، صلى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} و {لإيلاف قريش} ، ثم رأى أناسًا يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهبون هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه يتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعًا، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله، فليصل فيها، ولا يتعمدنَْها ) ). رواه الطحاوي في (مشكل الآثار) (12/ 544) واللفظ له، وابن أبي شيبة في (المصنف) (2/ 376) وهذا الأثر صحح إسناده ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (1/ 281) والألباني في (تخريج فضائل الشام) (ص49) وقال في (الثمر المستطاب) (1/ 472) : وهذا إسناد صحيح على شرط الستة. والحديث صريح في إنكار عمر رضي الله عنه على من فعل ذلك وهذا الإنكار كان أمام جمعٍ من الصحابة، ولا أدري كيف خفي هذا على الشيخ؟ بل لم يخف عليه، فقد سبقت الإشارة إلى أنه قال (ص14) : (( وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) )فهو - غفر الله له - يعرف حديث عمر الذي أنكر فيه على من فَعَلَ فِعْلَ ابنه عبدالله ثم يقول ولم يُنقل عن عمر أنه أنكر على ابنه! ومن نظر في سيرة عمر رضي الله عنه يجدها مُطَّرِدَةً في إنكار مثل هذا الصنيع حتى أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها لما بلغه أنَّ ناسًا يأتونها ويصلون عندها. كما في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 375) وقال ابن حجر في الفتح: (( ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر رضي الله عنه بلغه أن قومًا يأتون شجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت ) )أما على رأي الشيخ فإنه تجب المحافظة على الشجرة، ويجوز التبرك عندها كذلك!

قال ابن تيمية كما في (اقتضاء الصراط المستقيم) (2/ 756) : (( كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا و مسافرين ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم ) )، وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز ' الذي عدَّه المؤلف ممن يجيزون التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق نقله عنه: (( والحق أن عمر رضي الله عنه أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء، سد الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه رضي الله عنهما، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك، لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت