فهولاء جميعًا موصوفون بالذم , إذ إن خلافهم مهما تعددت أسبابه فهو راجع إلى شيء واحد وهو اتباع الهوى والإعراض عن الحق ذلك أن الله تعالى جعل القسمة ثُنائية في قوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} وقوله: ? وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يلهث .. ? [الأعراف/175 - 176 - 177] . وقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} وقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} فليس ثمة إلا اتباع للحق أو الميل مع الهوى.""
/// ثم قال:"وأما من تجرد من الهوى , وطلب الحق , واستفرغ وسعه في ذلك لعدم بلوغ الدليل , أو غير ذلك مما يُعذر به مثله فإنه لا يلحقه إثم ولا مؤاخذه , لكونه فعل ما يقدر عليه , والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها."
///ثم قال:"ثم إن المخالفين من أهل الأهواء وإن كانوا موصوفين بالذم في الجملة إلا أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب قدر المخالفة ونوعها , فالمخالف في الأصول الثابتة في الكتاب والسنة ثبوتًا لا مطعن فيه , أو الكليات المجمع عليها - مع التمكن من معرفة الحق فيها - ليس كمالمخالف فيما دونها من الجزئيات والأمور المتفرعة عنها , وسواء في ذلك مسائل العقيدة أو مسائل الشريعة كما سبق , مع أنه ورد ذم الفريقين إلا أن ذمهم للمخالفين في مسائل الاعتقاد كان أشهر للأمور التالية:"
1 -قلة أو ندرة مسائل الاعتقاد المحتملة للخلاف السائغ , بخلاف الأحكام الشرعية العملية , ذلك أن عامة مسائل الاعتقاد ثابتة بأدلة قطعية بخلاف مسائل الشريعة العملية إذ إن الكثير منها يحتمل الخلاف السائغ.
2 -أن عامة خلاف أهل الأهواء إنما كان في مسائل الاعتقاد.
3 -أن جناية المخالفة في مسائل الاعتقاد تكون في الغالب أعظم من جناية المخالفة في مسائل الشريعة العملية.
/// وما يؤيد ذم السلف للفريقين أنهم أدخلوا بعض مسائل الشريعة العملية في كتب الاعتقاد حين اشتهر مخالفة بعض أهل الأهواء فيها , كالمسح على الخفين , والجهاد مع الإمام والصلاة خلفه برًا كان أم فاجرًا , وما أشبه ذلك من مسائل الشريعة العملية.""
ثم ذكر الدكتور خالد بن عثمان السبت موقف السلف من الخلاف المذموم وبرع في تفصيله يرجع إليه لمن أراد الاستزادة ..