فهرس الكتاب

الصفحة 10015 من 20085

الثاني: أن ذلك يقتضي أن المسعى كان متصلًا بالمسجد من جهته الشرقية في عهد المهدي ومن قبله قبل التوسعة وهذا لا يصح؛ لأن المسعى لم يزل تفصل بينه وبين المسجد بيوت، وكلما حدثت توسعة هُدم منها، وقد أدرك الناس بعض البيوت قبل توسعة الحكومة السعودية في عام 1375 هجرية، كذلك فيما بين باب النبي وباب السلام، وأنا ممن عرف ذلك، فكان القاصد لباب السلام من المسعى يمر بزقاق ضيق عن يمينه وشماله مبانٍ، ومن طريق آخر يمر بمكتبات، والخارج من باب السلام لا يصل إلى المسعى إلاّ من أحد هذين الطريقين. والذي يدل عليه كلام الأزرقي ومن تبعه في شأن توسعة المهدي الثانية أن التوسعة كانت من الجهة الجنوبية للمسجد لأن هذه التوسعة مسبوقة بتوسعة للمهدي نفسه شملت الجهات الثلاث من المسجد: الشرقية والغربية والشامية، مما أدى إلى أن تكون الكعبة في الجانب الجنوبي من المسجد، أي غير متوسطة [2] . وهذا هو الذي حمل المهدي على توسعته من الجهة الجنوبية، ومعلوم أن الجهة الجنوبية لها طرف من الغرب وطرف من الشرق، وهو ما يلي المسعى، وهذا هو الطرف الذي يتكلم عنه المؤرخون، وهنالك دار ابن عباد، وظاهر كلام الأزرقي بل صريحه أن المسيل -أي المكان الذي يجري فيه السيل من أعلى مكة إلى أسفلها- كان يقع جنوبي المسجد متصلًا به، والدور من ورائه [3] . ومعلوم أن مكان السعي الذي هو الهرولة إنما تكون في بطن الوادي وهو المسيل، فاقتضت توسعة المسجد هدمَ الدور الواقعة جنوبي الوادي وجعلَ المسيل مكانها وإدخالَ أرض المسيل في المسجد، فلزم من ذلك قرب المسيل الذي هو بطن الوادي من الصفا، فلزم من ذلك تغير مكان السعي الذي هو الهرولة أو بعضه، حسبما تقتضيه عبارة الأزرقي وهي قوله:"فهدموا أكثر دار ابن عباد وجعلوا المسعى والوادي فيها" [4] . وأساس الاشتباه على كثير من الباحثين فيما وقفت عليه أن لفظ المسعى يطلق على بطن الوادي لأنه مكان السعي (الهرولة) كما قال جابر رضي الله عنه: (فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى) [5] ويطلق المسعى على ما بين الصفا والمروة، فتوهم كثيرون أن تغيير المسعى الذي ذكر الأزرقي كان شاملًا لطوله، والحق أن كلام الأزرقي لا يتعلق إلا بمكان السعي (الهرولة) وهو بطن الوادي، وهذا هو الصواب المقطوع به، قال ابن القيم:"والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه" [6] ، وهذا يتعارض مع كلام الأزرقي؛ فإنه صريح في أن الوادي متصل بالمسجد والدُّور من ورائه في الجهة الجنوبية، وقول ابن القيم يقتضي أن الدُّور التي هُدمت لتوسعة المسجد هي متصلة بالمسجد والوادي من ورائها، وعلى قول ابن القيم فإنه لم يتغير موضع السعي الهرولة، والظاهر أن ما ذكره الأزرقي من أن الوادي كان متصلًا بالمسجد والدور من ورائه، ومنها دار ابن عباد من الطرف الشرقي، وأنه هُدم أكثرها وصار بطن الوادي مكانها هو الصحيح، ومعلوم أن ذلك لا يختص بدار ابن عباد، بل هدمت الدور التي هي غرب عنها وجعل الوادي مكانها، وإنما خُصت دار ابن عباد بالذكر؛ لأنها متصلة بالمسعى، ويدل لصحة ما ذكره الأزرقي ما جاء في صحيح البخاري تعليقا أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: (السعي من دار بني عباد إلى زقاق بني أبي حسين) [7] ، وهذا نص في أن دار ابن عباد تقع جنوب الوادي، ويُجمع بين كلام ابن القيم وكلام الأزرقي بأن موضع السعي هو ما بين العلمين، وأن العلمين وُضعا محافظة على موضع السعي الذي سعى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالذي تغير هو موضع الوادي لا موضع السعي، وإليك نص عبارة ابن القيم في وصفه لسعي النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى، هذا الذي صح عنه وذلك اليومَ قِبَلَ الميلين الأخضرين في أول المسعى وآخره"قال:"والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه" [8] ، وقوله:"وذلك اليومَ"أي: وذلك الموضع الذي سعى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم هو اليومَ قِبَل -أي مقابلَ- الميلين الأخضرين، وقوله:"الميلين الأخضرين في أول المسعى وآخره"يريد: مكان السعي الذي هو الهرولة لا المسعى الذي بين الصفا والمروة، فابن القيم أراد أن المسعى لم يتغير عن وضعه، والأزرقي أراد أن الوادي تغير عن موضعه، وكلاهما صحيح. وعلى هذا فلم يتغير

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت