فهرس الكتاب

الصفحة 10377 من 20085

وتوضيح ذلك: أن حديث طلق بن علي قد جاء في الرواية الكاملة أنه قدم على النبي (ص) وهو يبني مسجده -صلوات الله وسلامه عليه - فسأله عن مسألة مس الذكر هل هو ناقض للوضوء أو غير ناقض؟ وهذا يدل على أنه كان في أول الإسلام وحديث أبي هريرة وبسرة بنت صفوان متأخر لأن أبا هريرة رضي الله عنه تأخر إسلامه إلى عام خيبر فهو متأخر عن حديث طلق بما لا يقل عن خمس سنوات من بعد هجرته-صلوات الله وسلامه عليه- فهذا يقوي القول بالنسخ فلا مانع أن يكون الأمر في أول الإسلام على الرخصة ثم نزلت العزيمة بعد ذلك أن من مس ذكره وعليه الوضوء.

وهذا هو أقوى الوجوه في الجواب عن حديث طلق بن علي، ولذلك يقوى القول بأن حديث من مس ذكره أقوى في الدلالة على النقض ولأن حديث: (( من مس ذكره ) )فيه احتياط وصيانة للصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين فالعمل به أحوط وأسلم ولأن حديث طلق بن علي ينفي الوضوء وحديث أبي هريرة وبسرة بنت صفوان يثبت الوضوء والقاعدة:"أن المثبت يقدم على النافي"وأدلة الإثبات أقوى من أدلة النفي لهذا كله يترجح القول بأن مس الذكر يعتبر ناقضًا للوضوء.انتهى عنه بنصه

وقال -حفظه الله - في الدرس التالي:

وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بما قدمنا:

أولًا: أنه منسوخ وهذا الجواب هو أقوى الوجوه؛ وذلك لأن حديث طلق بن علي جاء برواية مفصلة مبينة اشتملت على ذكر بناء المسجد وقد كان ذلك عند قدومه على النبي (ص) في السنة الأولى من الهجرة وحينئذ يكون حديث طلق بن علي رضي الله عنه متقدمًا وحديث النقض بحديث بسرة بنت صفوان وحديث أبي هريرة كلها أحاديث متأخرة، والقاعدة:"أن المتأخر ينسخ المتقدم"وبناءً عليه يكون مس الذكر في أول الإسلام فيه تخفيف وتيسير ثم شدد في الأمر وأخذ الناس بالعزائم ابتلاء من الله سبحانه وتعالى.

وأما الوجه الثاني: فقالوا إن حديثطلق بن علي محمول على المس بالحائل وحديث بسرة محمول على المس بدون حائلٍ- أعني المباشرة-وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين؛ لأن القاعدة في الأصول:"أنه لايحكم بتعارض النصين إلا إذا كان موردهما ومحلهما واحد"فقالوا مورد النصين هنا مختلف فنص نحمله على ما كان بحائل ونص نحمله على ما كان مباشرة بدون حائل.

والوجه الثالث في ترجيح حديث بسرة: أن حديث بسرة بنت صفوان يشتمل على الزيادة وأثبات الوضوء، وحديث طلق بن علي ليست فيه هذه الزيادة، وبناءً عليه فإنه يقدم المثبت على النافي.

الوجه الرابع: أن حديث بسرة بنت صفوان اقتضى الحظر -أي يحظر على المصلي أن يصلي وقد مس الذكر حتى يتوضأ-؛ لأن لفظ الحديث اشتمل على النهي عن الصلاة حتى يتوضأ، وحديث طلق بن علي ليس فيه ذلك فقد اشتمل على الإباحة والإذن والقاعدة:"أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح فإنه يقدم الحاظر على المبيح".

أما الوجه الخامس: فهو شهادة الأصول بترجيح حديث الأمر بالوضوء على حديث عدم الأمر بالوضوء؛ وذلك أن حديث بسرة بنت صفوان يدل على أن مس الذكر يعتبر ناقضًا وحديث طلق لا يدل على ذلك فنظرنا في مس الذكر فوجدنا أن الإنسان إذا مس ذكره تحركت شهوته وهذا يقوي جانب الحيطة وقد أقام الشرع السبب منزلة الوجود كما في النوم فإن الإنسان إذا نام فهو مظنة أن يخرج منه الخارج فيؤمر بإعادة الوضوء كذلك بالنسبة لمس الذكر فالغالب أن الإنسان إذا مس الذكر أنه يجد الشهوة واللذة، وبناءً على ذلك ترجح من هذه الوجه مذهب جمهور العلماء أن من مس الذكر فعليه أن يعيد الوضوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت