هل يجوز شرعا الإقبال على شراء هذه السلع، والتنافس على استيرادها منهم، والحصول على التوكيلات التجارية عن شركاتهم، بفتح الأسواق المجمعة الكبرى، المعروفة بانتمائها الصهيوني ودعمها لإسرائيل، مثل أسواق (ماركس آند سبنسر) و (المول) وغيرها من الأسواق اليهودية والأمريكية، التي لا تكاد تخلو منها عاصمة من عواصم المسلمين، هل النشاط التجاري والتعاون مع هؤلاء سائغ للمسلم ديانة وشرعا، وهو يرى قصف إسرائيل غزة صباح مساء، بأسلحة الدمار، ويرى من قبله حصارها من أمريكا وإسرائيل بأم عينيه، وما يفعلونه بالفلسطينيين من التقتيل والتجويع واستباحة الحرمات، كسرا لشوكة المسلمين.
لو أن عدوا طوّق بيتك واستباحه، ومنع عنك الطعام والدواء، ويقصفك بأسلحة الدمار كل صباح، وجيرانك وإخوتك وبنو عمومتك يُعينونه على وجه من الوجوه بما يُقويه، بالمال أو غيره، يسكتون عن فعلته النكراء، أو يسوُّون بينك وبينه، ألا تَعدّهم قد خانوك وغدروا بك، وهم إخوتك وبنو عمومتك الذين كنت تنتظر منهم العون والنصرة؟ وهل وقع مَن فعل ذلك فيما نهى الله تعالى عنه بقوله: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى? إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ? وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ( [12] ) .
بل لو وقف جيرانك منك موقف المتفرج، فلم يعينوا العدو ولم يعينوك، ولم يهبوا لنجدتك، وأنت تستنصر بهم، لَعُدّ ذلك منهم خيانة وغدرا، وتخليا عن نصرة الله تعالى ودينه، ومخالفة لأمره، القائل في محكم تنزيله: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} ، إلى أن قال: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير} ( [13] ) ، والقائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ} ( [14] ) ، والقائل {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} ( [15] ) ، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ? إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} ( [16] ) .
ونصرة الله تعالى التي أمر بها عباده في هذه الآيات القرآنية لا تعني غير نصرة المؤمنين والدفع عن دمائهم وأعراضهم إذا اجتاحهم العدو، فإنه سبحانه في ذاته لا يحتاج إلى عون أحد، قوي قاهر، عزيز ظاهر غالب، غني عن نصرة عباده، فمن أراد أن ينصره فلينصر دينه والمستضعفين من عباده المقاتلين لأعدائه.
لذا فإنه يتعين على كل مسلم عندما يمد يده إلى دينار أو درهم، ليشتري سلعة، سيارة أو آلة، أو غذاء أو لباسا، أو أكلا في مطعم، أو شرابا في مقهى، أو مقاما في فندق، أو شيئا آخر من لوازم حياته، صغيرا كان أو كبيرا، أن ينظر إلى جيب من يذهب هذا المال في نهاية الأمر؟، فإن البائع والقابض للمال الذي أمامه، ما هو إلا حلقة من حلقات، وواسطة من وسائط متعددة، لا يأخذ من هذا المال الذي يدفعه إلا قليلا، وجله يذهب إلى المصدر الأول، منتج تلك السلعة ومالكها.
فإذا كان هذا المنتَج من شركات تنتمي إلى من يقتل إخوانه كفاحا جهارا، ويعلن عداءه للمسلمين ولا يخفيه، ولهذه السلع بديل من بلاد أُخر، أو يمكن للمسلمين الاستغناء عنها، ولا يوقع ترك جميعهم لها في الحرج، بأن تكون من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، لا من علوم العصر المحتكرة عند العدو ولا بديل لها عند غيره، إن كان الأمر كذلك، فإن الواجب العيني على كل مسلم أن يكف عن شراء سلع تلك الدولة، ويقاطع الشركات التي تنتمي إليها، وكثير منها، هي شركات تقوم بالإضافة إلى أعمالها المدنية كبناء الطرق وإنتاج السلع والتنقيب على النفط، هي في الوقت نفسه تقوم بأعمال عسكرية تشارك فيها مشاركة مباشرة مع العدو في غزوه وحملاته، كحفر الخنادق، وتمده بالعتاد والخبرات الهندسية والاستخبارية وغيرها، فالمسلم يجب أن يكون منها على حذر فلا يعينها، لا بخبرة ولا عمل، إن كان يعطيها من خبرته وعمله أكثر مما يأخذ منها، حتى ولو أغرته بمرتبات عالية، ولا يعينها بشراء منتجاتها ولا بإسناد خدمات إليها في بلاده، ولا يكون وكيلا لها، فإنه بذلك يعين عدوه على نفسه وأمته، وعلى محاصرة إخوانه، وتجويعهم وانتهاك حرماتهم ودمائهم وأعراضهم، فلا يفعل ذلك، ولو كانت سلعهم ومنتجاتهم أرخص أو أجود، فإن من ترك سلعة عدوه مع رخصها، واشترى غيرها مع زيادة ثمنها، نكاية في عدوه ونيلا من عدوه، واحتسابا لله، ونصرة لدينه والمسلمين، كان بذلك مأجورا ـ فيما بذله زائدا من ماله في السلعة ـ أجرا عظيما، أجر من جاهد بماله وأنفقه في سبيل الله، وكُتب له به عمل صالح، قال تعالى: {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون َ} ( [17] ) .
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
1 محرم 1430 هـ، الموافق 29/ 12 / 2008
المصدر: