فهرس الكتاب

الصفحة 10675 من 20085

قلوبنا؟ فصرخ أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال حيرني الهمداني أو كما قال ونزل) إهـ

أقول لذلك كانت ضرورة الفطرة دليل على معرفة الحق والهدى.

يقول صاحب كتاب البلاغ المبين: (لو لم تكن ضرورة الفطرة التي هي أصل العلوم النظرية شرعية وعقلية لم تقم الحجة بالرسل أصلاٍ، إذ يجوز أن لا تكون المعجزة دليلًا على صدق الرسول لإمكان تأييد الفاجر بالمعجزة وإذا لم يكن هناك تمييز بالفطرة والعلم الضروري الفطري بين الصدق والبر والكذب والفجور وبين عبادة غير الله والأمر بالفواحش والظلم والكذب والجور، وبين عبادة الله والأمر بالمعروف والعفاف والصدق والصلة والبر والإحسان والعدل لما أمكن التمييز بين أحوال الرسل وأحوال الكهَّان والسحرة والمنجمين والكذبة أتباع الشياطين والدجالين، ولما قامت الحجة على الناس ببعث الرسل لأنه يتعذر التمييز بين الصادق والكاذب بل يتعذر استعمال اللغة أصلًا. فما العدل وما الظلم وما العفاف وما هي الصلة وما هو البر وما هو الكذب وما هو الفجور، ولماذا تسمي هذه الأفعال أو تلك بهذا الاسم أو ذاك وإذا أمكن التسمية فلماذا يكون العدل حسنًا والظلم قبيحًا، ولماذا يكون الصدق والبر حسنًا والكذب والفجور قبيحًا، ولماذا يأمر النبيُّ بالعدل والإحسان ولا يأمر بالفواحش والشرك، إذا قلنا أن معرفة هذه الأسماء نفسها لا تعرف إلا بالشرع. وإذا عرفت باللغة والعرف والفطرة فقبحها وحسنها لا يعرف إلا بالشرع لزم الدور القبلي أو دخلت في الاستعمال الحديث في حلقة مفرغة، فمعرفة الصادق من الكاذب لا تعرف إلا بالفرق بين أحوال الرسل وغيرهم مع المعجزة ولا يعرف الفرق إلا بمعرفة أسماء هذه المسميات وإدراك حسن الحسن وقبح القبيح منها، وإدراك هذا لا يعرف إلا من طريق الرسل والشرع فإذا لم يكن هناك تمييز بالفطرة قبل الرسل بدلالة المعجزة والأحوال كيف يعرف الرسول من المدَّعي وكيف يصدقه إذا عرَّف له العدل والظلم وبيَّن حسن هذا وقبح ذلك، وهو لم يعرف أنه رسول ليأخذ بقوله فإذا لم يستقم له التمييز بالفطرة لا يستقيم له التمييز بالشرع، لأن التمييز بالفطرة هو الذي يحدد له طريق الاتباع، واحتجاج المشركين بأن الله يأمر بالشرك ويرضي به لعدم تغييره عليهم بإنزال النقمة أو إزالة النعمة وهو الاحتجاج بالقدر على الشرك قد رده الله سبحانه وتعالى ببيان ما هو مستقر في الفطرة بأن الإنسان لا يشرك مملوكه في أمره ولا يخافه كخيفته نفسه لأن هذا سفه فكيف يليق بالربِّ ذلك؟ فإذا جاز ذلك على الإنسان فلماذا لا يجوز على الله إذا لم يكن سفهًا في الحالتين؟ وبالجملة فإنكار العلم الضروري الفطري يؤدي إلى السفسطة وجحد العلوم عقلية وشرعية وتنتفي خاصية التخاطب والفهم ويصير الإنسان كالحيوان لا يميز شيئًا عن شيء، ومن كان هذا شأنه كيف يصدق الرسول بالمعجزة أو أحوال الرسل أو غير ذلك وهو لا يستطيع أن يميز شيئًا عن شيء، وبالفطرة يدرك الإنسان حاجته إلى الرسل لأن كل ما يتوهمه العقل أنه يقرب إلى الله كذب على الله، وكل صرف لحق الله إلى غيره استخفاف بحق الله، فالعلم الضروري وفطرة التوحيد المركوزة في النفس البشرية لا تطلق العقل بديلًا عن الشرع أو شريكًا له بل تدرك قصور العقل بالفطرة وتحبسه عن تقحم المغيبات التي لا سبيل له إليها فلا يقول على الله بغير علم ولا يفتري على الله الكذب ويتوقف عن كل ما لا يستند إلى شرع من تحسين العقول وعليه فليس القول بهذا من مسالك المعتزلة بل هو قول أهل السنة كما ذكر الشاطبي في "الاعتصام" والقول بغير ذلك هو من قبيل السفسطة وجحد العلوم وانعدام القدرة على التمييز فتسقط الحجة بالرسل وفرق بين إدراك الإنسان لاحتياجه إلى الشرع، وبين انعدام الإدراك تمامًا إلا بالشرع الذي ينتفي معه التمييز بين الصادق والكاذب ـ كالمعجزة والأحوال ـ والرسول والمدعي أو حتي فهم ما هو الرسول وما هو غير ذلك وبالتالي يصادر على الإدراك بالشرع ويدخل في دور، وفرق بين هذا وذاك وبين الاستغناء بالعقل عن الشرع أو مشاركة العقل للشرع .. إلى أخره) إهـ البلاغ المبين

ومن أراد أن يستزيد في حجة العلم الفطري الضروري فليقرأ ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله في رسالته (الأصفهانية) والله أعلم.

ـ [مصطفى ولد ادوم أحمد غالي] ــــــــ [17 - Jan-2009, مساء 04:11] ـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت