فهرس الكتاب

الصفحة 10683 من 20085

ردّ» من حديث عائشة رضي الله عنها وعند البخاري: «ما ليس فيه ... » ).

وعليه؛ فعمومُ الوسائل الشرعيةِ سواء كانت عبادية أو عادية لا مدخل للعقل والرأيِ المجرّدِ في حُكمها.

ولمزيد من التوضيح في هذا المقام نلفت النظر إلى أنّ الوسيلةَ إن كانت من جِنس العبادات فإنّها تحتاج إلى نصٍّ خاصٍّ يقضي بمشروعيّتها، ذلكّ لأنّ «العِبَادَات أَصْلُهَا التَّوْقِيفُ وَالمَنْعُ حَتَّى يَرِدَ الدَّلِْيلُ النَّاقِلُ عَنْهُ» ؛ فلا يُشرع منها إلاّ ما شرعه الله تعالى وأذن فيه، لقوله تعالى: ?أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ? [الشورى: 21] .

وبناءً عليه؛ فإنّ الوسائلَ العباديةَ توقيفيةٌ، وحُكمها يُؤخذُ من جهةِ الشرعِ، وبالدليلِ الخاصِّ بها، لا بوصف العمومِ والإطلاقِ، إذ لا يلزم ما أمر اللهُ للعمل بوصف العموم والإطلاق -في باب العبادات- أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد، أو مأمورًا به، إلاّ إذا جاء دليلٌ مُبيِّنٌ للإجمال الحاصلِ في صفة العموم والإطلاق، ويكون حُكم الخصوصِ والتقييدِ تابعًا للدليل، فإن جاء موافقًا للأمر العامِّ أو المطلقِ كان تحصيلُ المعيّنِ بالخصوصِ والتقييدِ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، بتظافر الأدلةّ وتَعَاضُدِهَا، وإن جاء الدليل مخالفًا للأمر العامِّ أو المطلَقِ كان تحصيلُه من باب تخصيص العموم وتقييد المطلق، وهذا التقرير -وإن كان يشمل جانب العبادات والعادات والمعاملات- إلاّ أنّ باب العبادات قُيِّد بالدليل الخاصِّ؛ لأنّ الأصل فيها التوقيف والمنع -كما تقدّم-.

وهذا بخلاف الوسيلة الداخلةِ في جنس العاداتِ والمعاملاتِ؛ فلا يَلزم لثبوتها الأدلّّةُ الخاصّةُ، بل تكفي الأدلّة والقواعد العامّة في إثباتها وتقريرها، ذلك لأنّ «الأَصْل فِي المُعَامَلاَتِ وَالعَادَاتِ الإِبَاحَةُ وَالجَوَازُ» حتّى يَرِدَ الدليلُ الناقلُ عنه، فلا يمنع منها شيءٌ إلاّ ما منعه الشرعُ وحَرَّمه، لقوله تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا، قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ? [يونس: 59] ، ولقوله تعالى -مُمتَنًّا على عباده-: ?هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا? [البقرة: 29] ، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الحَلاَلُ مَا أَحَلَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» (4 - أخرجه الترمذي:(4/ 220) في اللّباس: باب ما جاء في لُبس الفِراء، وابن ماجه: (2/ 1117) في الأطعمة: باب أكل الجبن والسمن، من حديث سليمان الفارسي -رضي الله عنه-. والحديث حسّنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي": (2/ 267 ـ 268) ، وفي "صحيح سنن ابن ماجه": (3/ 141) ، وفي "صحيح الجامع الصغير" (3/ 102 ) ) . فالوسائلُ العادية يُؤخذ حُكمها -أيضًا- من جهة الشرع، لكن لا يُشترط أن يدلَّ عليها دليلٌ خاصٌّ، بل يجوز العمل فيها بالأوامر العامّة والمطلقة، كما يجوز أن تحال أحكامها إلى القواعد العامّة.

ولا شكّ -بعد هذا البيان- أنّ الوسائلَ الدعويةَ في تعلّقها بالعادات إن تضمّنت مصلحةً راجحةً للدعوة ولم تخالف نصًّا شرعيًّا فيجوز مباشرتها لدخولها إمّا في القواعد العامّة الكلّية، أو لاتّصاف الدليل عليها بصفة العموم والإطلاق؛ ذلكّ لأنّ تحصيل المعيَّن في الوسيلة إن كان مشمولًا بالأمر العامّ أو المطلق ولم تتعرّض له الأدلّة بأمر أو نهي بقي على وصف العموم والإطلاق، وجاز العمل بأيّ فعل معيَّن يتحقّق به امتثال الأمر العامّ أو المطلق؛ ذلك لأنّ «الأَصْل فِي العَادَاتِ وَالمُعَامَلاَتِ الإِبَاحَةُ وَالجَوَازُ» -كما تقدّم-، ويدلّ عليه عمل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بعموم قوله تعالى: ?وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ? [الشعراء: 214] ، حيث اختار النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في الدعوة وسيلة الصعود على الصفا ومخاطبة بطون قريش، وهذا الاجتهاد في الوسيلة إنّما جاء بناؤه على ضوابط عامّة متمثّلة في الحكمة والموعظة الحسنة المأمور بهما، واتّخذ هذه الوسيلة لتكون أسرع إلى الفهم، وأدعى إلى الانقياد، وأقوى في التأثّر والاستجابة. وكذلك إجماع

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت