فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ووجه الاستدلال: أنّ عبد الله بن عمر وهو راوي الخبر الوارد فيه الأمر بالإعفاء، قد أخذ من لحيته ما جاوز القبضة، وكأنّ هذا هو تفسير حد الإعفاء الواجب المأمور به، وهذا ما استظهره أحمد من صنيع ابن عمر ..
2 -قال ابن مفلح في"الفروع": (ويعفي لحيته، وفي"المُذهَب": ما لم يستهجن طولها) . وقال في"الآداب الشرعية": (يسن أن يعفي لحيته. وقيل: قدر قبضة، وله أخذ ما زاد عنها وتركه. نص عليه. وقيل: تركه أَوْلَى) .
وفي هذين النصين (نص: 1، ونص: 2) نجد أنّ صاحب"الشرح"وابن مفلح، قد صاغا العبارة المضمومة حكم الإعفاء من لفظ حديث:"أعفوا".
وقد تقدّم أنّ حد الاعفاء الواجب عند أحمد، ما قد ورد بيانه في خبر ابن عمر، وأمّا ما زاد على ذلك، فهو المعنيّ بحُكم الاستحباب الوارد في كلام الأصحاب .. وهذا ظاهر ..
3 -قال ابن تميم: (يستحب توفير اللحية) . و هنا نجد ابن تميم قد صاغ العبارة من معنى الإعفاء لغة، وهو: التوفير والتكثير ..
تنبيه: في جميع هذه النصوص استحضر الأصحاب نصوص أحمد في اعفاء اللحية، وأنه يذهب فيها إلى تفسير الإعفاء الواجب بفعل ابن عمر، من أنه كان يقبض على لحيته فيأخذ ما زاد على القبضة، ومن ثَم اعتمد الأصحاب في صياغة حُكم استحباب الإعفاء مطلقا دون أخذ وإن جاوزت اللحية القبضة من نصوص أحمد المتقدِّمة والتي منها: (وأما إعفاء اللحية: فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد علي القبضة: لم يكره) . وقوله لمّا سُئل عن الأخذ من اللحية: (يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة) . وقال أيضا: (لا بأس بأخذه - يعني: ما زاد عن القبضة -) .
ومن هنا أحبتي الكرام: إذا ما جاءك أحدهم، وقد قلتَ له: حلق اللحية حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أعفوا اللحى"؛ فإنه إذا قال لك: الحنابلة يقولون:"اعفاء اللحية مستحب"! .. فقل له: ليس الأمر كما فهمتَ! إنّ الحنابلة يفرّقون بين حُكم الإعفاء المطلق، وبين حُكم الإعفاء المقدّر (بما يعادل القبضة) ، فالإعفاء المطلق عندهم: مستحب، والإعفاء المقدّر بقبضة: واجب، وعلى هذا نصوص أحمد رحمه الله - وقد تقدّمت -.
2)نصوص الأصحاب في تحريم حلق اللحية:
تقدّم نص أحمد لمّا سئل عن الأخذ من اللحية: (يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة) . وهذا نص صريح في حَدِّ الأخذ الجائز عند أحمد، وفيما يلي أسوق نصوص أصحابه الذين عليهم العمدة في بيان مذهبه:
1 -قال شيخ الإسلام - كما في"الفروع: (ويحرم حلق اللحية) ."
وقال في"شرح العمدة": (فأما حلقها: فمثل حلق المرأة رأسها وأشد؛ لأنه من المثلة المنهي عنها) .
2 -قال في"غذاء الألباب":(والمعتمد في المذهب: حرمة حلق اللحية. قال في"الاقناع": ويحرم حلقها. وكذا في"شرح المنتهى"وغيرهما. قال في"الفروع": ويحرم حلقها، ذكره شيخنا. انتهى. وذكره في"الإنصاف"ولم يحك فيه خلافًا.
وفي"الصحيحين"عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب"زاد البخاري: "وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه) .انتهى، ما في"غذاء الألباب"."
وهذا النص قد اشتمل على أدلة تحريم حلق اللحية ..
تنبيه: مع ظهور هذه النصوص في بيان المذهب وتقريره - ووالله الذي لا إله غيره لو لم تُخلَق هذه النصوص رأسا فإنّ مذهب أحمد في تحريم الحلق واضح وضوح الشمس في رائعة النهار - فإنّ البعض يلزق بابن تيمية القول بالتحريم، وهذا لعمري من غرائب القول ومنكره، ويرتكن القائل في هذا إلى صياغة أحد الفقهاء؛ إذْ يقول:"حرّم الشيخ حلقها"، ومن هنا أقول: وقفة: لن يفلح طالب علم أبدا ما دام يقف عند ظواهر الحروف والكلمات بجمودها وجفائها، ولن يفلح أبدا ما دام يظن أنّ الحِكمة أو الحُكم أو مراد المتكلم من الممكن أنْ يُستظهر أو ينتزع من كلمات مختصرة مقتطعة من السياق الشمولي لمنهج صاحب الكلام محل البحث وأطراف حياته .. فإذا كُنّا نُخطيء على مَن يعيش بيننا ويُكلّمنا دون حجاب، فكيف بنا لا نخطيء ونحن بيننا وبين صاحب الكلام مفاوز من جفاء الأوراق حينا، وتصحيف الكتبة حينا، وإغلاق العبارة حينا، واختصارها إلى حدا الإلغاز حينا ..
وما المخرج من جميع هذه المفاوز؟ المخرج الصدق في استخراج مراد المتكلِّم على نحو ما يريد ..
وهنا السؤال: هل يريد صاحب تلك الكلمة التي تعلّق بها القائل المذكور: أنّ شيخ الإسلام انفرد وحده، ووحده فقط دون الحنابلة جميعا من زمن أحمد إلى زمن الشيخ مرعي بأنّ حلق اللحية: مُحرّم. أقسم بالله غير حانث إنْ شاء الله - ولو اجتمع أهل الأرض جميعا على خلاف ذلك، ولا يجتمون على باطل - أنّ هذا ليس مراد الشيخ مرعي .. بل إنّ مراده: أنّ الشيخ ابن تيمية ذكر حُكم حلق اللحية وأنّه محرّم - ثم لم يتعقّبه في ذلك - .. فالشيخ مرعي - وكذا غيره من الأصحاب - لمّا يجد عن أحمد أو عن أصحابه المتقدمين نصا صريحا لفظا في تحريم الحلق - مثل:"حلق اللحية محرم". هكذا كلمة صريحة - اكتفى بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في استظهار المذهب، لا سيّما وقد انعقد الاتفاق على تحريم الحلق من غير واحد ولم يتعقب هذا الاتفاق شيخ الإسلام، وهذا الاتفاق داخل فيه أحمد وغيره .. وهذا ظاهر جدا، وأنا أدعوك أخي بصدق لتأمل هذا الكلام مع شيء من التجرُّد، نفع الله بك ..
(يُتْبَعُ)