فهرس الكتاب

الصفحة 12246 من 20085

بالكشف عنها في كتب العلم، فإن ذلك وإن كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي، فإنه لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي».

وفحوى كلامه هذا أن المجتهد هو الذي يستطيع نيل الحكم الشرعي بطريق الاستنباط من الكتاب والسنة، وأن مجرد حفظ فروع الفقه ومسائله في مذهب ما، لا يجعل من صاحبه مجتهدًا. من هذا المنطلق لم يعد الشوكاني ما اصطلح على تسميته - بعد استقرار المذاهب وشيوع التقليد- بمجتهدي المذهب (وهم نوعان: مجتهدو التخريج ومجتهدو الفتيا) من أهل الاجتهاد.

والسبب في ذلك أن النوع الأول يقتصر عمله على تطبيق العلل الفقهية التي استخرجها إمامه فيما لم يعرض له من مسائل، وليس له أن يجتهد في مسائل قد نص عليها في المذهب إلا في دائرة معيّنة، وهي أن يكون استنباط الإمام فيها مبنيًا على اعتبارات لا وجود لها في عرف المتأخرين

فالاستنباط عند هذا النوع من العلماء لا يكون من الكتاب والسنة، بل من أقوال الإمام المتبّع. أما النوع الثاني أي مجتهدو الفتيا فعملهم يقتصر على ترجيح بعض الأقوال على بعض بقوة الدليل أو بغيره مما لا يعد استنباطًا أصلًا.

ثانيًا: ضبط شروط الاجتهاد:

تعرض الإمام الشافعي في كتابه"الرسالة"إلى شروط الاجتهاد بشكل إجمالي، ثم توسّع الأصوليون بعده في تفصيل هذه الشروط، ويعد عمل الإمام الغزالي خلاصة ما انتهى إليه العلماء السابقون في ضبط شروط الاجتهاد، كما أصبح قدوة لمن بعده في اعتماد منهج التخفيف في الشروط الأساسية. وبعد استقرار المذاهب وشيوع التقليد توسعت كتب المتأخرين في الحديث عن شروط الاجتهاد، وسبب ذلك أن العلماء قسّموا الاجتهاد بالنسبة إلى المجتهد إلى: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيّد، وقسّموا هذا الأخير إلى مراتب، الأمر الذي اقتضى منهم بيان شروط كل مرتبة.

أما الشوكاني فقد اعتمد منهجًا خاصًا في بيان شروط الاجتهاد يتوافق ونظريته العامة في التقليد والاجتهاد، ويخدم دعوته التجديدية للفقه وأصوله .. ويمكن تحديد معالم هذه المنهجية في النقاط الآتية:

-حصر حديثه في شروط الاجتهاد على المجتهد المطلق، لأنه لا يدرج باقي الأقسام والمراتب ضمن دائرة الاجتهاد.

-تأكيده الشروط التأهيلية الأساسية التي يجب تحققها في المجتهد، بحيث إذا تخلف أحدها لم يكن أهلًا لهذا المنصب، وهي: العلم بنصوص الكتاب والسنة؛ معرفة مسائل الإجماع لمن يقول بحجيته؛ العلم باللغة العربية؛ العلم بأصول الفقه؛ العلم بالناسخ والمنسوخ؛ وأعرض عن الشروط التي لا يتوقف عليها وجود ملكة الاجتهاد، وبلوغ درجة المجتهد، وإنما تسمو بصاحبها إلى درجة الكمال. وهي شروط أدى التمسك بها عند المتأخرين إلى الحكم باستحالة تحقيق جميعها في عالم واحد، ومن ثمّ الإعلان عن شغور منصب الاجتهاد.

-عدم الإطناب في شرح الشروط غير المكتسبة، كالبلوغ، والعقل، والاكتفاء بذكرها فقط لأنها شروط التكليف فهي بدهية.

-النظر الاجتهادي في مناقشة الشروط الأساسية، وتحقيق ما يراه الحق بعد مناقشة آراء العلماء في تفاصيل هذه الشروط.

ففي الشرط الأول، وهو العلم بنصوص الكتاب والسنة، وافق ما استقر عليه العلماء من تخفيف فقال: «ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة بل بما يتعلق منهما بالأحكام» ولكن كانت له بعض الاعتراضات في التفاصيل. ففي العلم بالكتاب، اعترض على الغزالي وابن العربي تقديرهما آيات الأحكام بخمسمائة آية فقال: «ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح، وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال.

وفي العلم بالسنة، علّق على اختلاف العلماء في القدر الذي يكفي المجتهد من السنة، إذ قيل خمسمائة، وقيل ألفٌ ومائتين، وقيل غير ذلك، فقال: «ولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب من قبيل الإفراط، وبعضه من قبيل التفريط. والحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة أن المجتهد لابد أن يكون عالمًا بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن، كالأمهات الست وما يلحق بها، مشرفًا على ما اشتملت عليه المسانيد، والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له مستحضرة في ذهنه، بل يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت