فهرس الكتاب

الصفحة 12247 من 20085

بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك.

وقد ردّ الشوكاني بكلامه هذا على ما ذهب إليه الغزالي، وجماعة من الأصوليين، من أن المجتهد يكفيه أن يكون عنده أصلٌ يجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود كما عدّ الشوكاني من مستلزمات العلم بالسنة، العلم بمصطلح الحديث فقال: «وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة» ، وذكر تخفيفًا في هذا الشرط فقال:

«وليس من شرط ذلك أن يكون حافظًا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها، وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح» .

وفي الشرط الثالث وهو العلم باللغة العربية، أكد أنه على المجتهد «أن يكون عالمًا بلسان العرب، بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه» ولا يشترط في نظره «أن يكون حافظًا لها عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون متمكنًا من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك» ، ولكنه رفض التخفيف الذي هو محل اتفاق جميع الأصوليين، وهو أنه يكفي المجتهد أن يعلم من اللغة والنحو القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعاداتهم في الاستعمال، ولا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرّد. وإنما اشترط على المجتهد في الأحكام أن يبلغ درجة الاجتهاد في العربية وعلومها إذ قال:

«وإنما يتمكن من معرفة معانيها، وخواص تراكيبها، وما اشتملت عليه من لطائف المزايا، من كان عالمًا بعلم النحو والصرف والمعاني والبيان، حتى يثبت له في كل فن من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرًا صحيحًا، ويستخرج منه الأحكام استخراجًا قويًا» .

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الرأي لم يذهب إليه من الأصوليين غير الإمام الشوكاني والإمام الشاطبي , وإذا حاولنا فهم خلفية هذا الموقف من خلال كلامه السابق يتبيّن أن الشوكاني اشترط الاجتهاد في علم اللغة للمجتهد، لأن ذلك يمكنّه من النظر المستقل في الأدلة، ويعصمه من التقليد. ذلك لأنه إذا وقع نزاع، أو خلاف في معنى، أو حكم توقف عليه فهم نص شرعي، تعيّن عليه بذل الوسع في معرفة الحق بين المختلفين، ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية، أو البيانية في تقرير حكم إلاّ أن يستبين له رجحانه بدليل، وإلا كان مقلدًا. فالتقليد في اللغة في نظر الشوكاني يخلّ بحقيقة الاجتهاد.

ومما ترتب على موقفه هذا، رفض ما ذهب إليه بعض الأصوليين، كابن عرفة وابن الوزير من جواز اكتفاء المجتهد بقراءة مختصر في اللغة العربية، فقال: «ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون - النحو والصرف والبيان - هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد، بل الاستكثار من الممارسة لها والتوسع في الإطلاع على مطوّلاتها مما يزيد المجتهد قوة في البحث، وبصرًا في الاستخراج، وبصيرة في حصول مطلوبه. والحاصل أنه لابد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن» .

واستثنى الشوكاني من علوم اللغة علم البلاغة، فلم ير ضرورة الإحاطة به لفهم كتاب الله تعالى، لأنها ليست لازمة لاستخراج الأحكام، وإنما هي لمعرفة بلاغة القرآن الكريم وما عليه من إعجاز.

أما في الشرط الرابع وهو العلم بأصول الفقه، فقد أكد الشوكاني أنه على المجتهد «أن يكون عالمًا بعلم أصول الفقه؛ لأنه عماد الاجتهاد، وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه»

ومقصوده بالعلم هنا هو النظر المستقل وعدم التقليد، وهو ما جعله يقول: «وعليه أن ينظر في كل مسألة من مسائله نظرًا يوصل إلى ما هو الحق فيها، فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها بأيسر عمل، وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد وخبط فيه وخلط»

وفحوى كلام الشوكاني أنه من كان مقلدًا في القضايا الأصولية، لن يكون مستقلًا في استنباطه للفروع الفقهية، ذلك لأن النتائج تتبع المقدمات، فمن لم يكن مجتهدًا في إحدى مقدمات الاجتهاد، فليس بمجتهد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت