الطالبُ أو المسلم ثقتَه في أهلِ العلم، ويصونَ لسانه عن تجريحهم أو ذمِّهم، فإنَّ ذلك يُفقدهم الهَيبةَ، ويجعلهم محلَّ تُهمَةٍ، كما عليه أن يتحلَّى برعاية حُرمتهم، وتركِ التطاولِ والمماراة والمداخلات، وخاصَّة مع ملإٍ من الناس، فإنَّ ذلك يوجب العُجْبَ، ويورث الغرورَ .. نعم، إن وقع خطأٌ منهم أو وَهْمٌ، نَبَّهَ عليه من غيرِ انتقاصٍ منهم، ولا يثير البلبلةَ والهرج عليهم، ويفرحُ بالحطِّ فيهم، وما يفعل ذلك إلاَّ متعالِمٌ، «يريد أن يكحِّل عَيْنَه فيعميها» ! أو «يريد أن يُطِبَّ زكامًا فيحدث جذامًا» !
هذا، وأريدُ أن أَصِلَ كلامي بالكلام السابق، وهو أنَّ العبد ينبغي عليه أن يعلم أنَّ مصدر كلِّ فضلٍ، وواجبَ كلِّ خيرٍ إنَّما هو الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أعطى اليومَ المالَ والعلمَ والقُوَّةَ والعزَّة والشرف، قد يسلبه غدًا إن شاء، فهو سبحانه المانع الضارُّ، المعطي النافعُ، يعطي ويأخذُ، ومن شكر نعمَه وأحسن الشكر زاده: ?لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ? [إبراهيم: 7] ، ومن جَحَدها ظاهرًا وباطنًا وسلوكًا، واتصف بغير ما أمر به سبحانه وتعالى، وعمل ما نهى عنه، وجحد نعمَه، فإنَّ النعمةَ تنقلب عليه نِقمةً، ومن أعظم المهالك -في الحال والمآل- هو ذلك العُجْبُ بالنفس والعمل، والزهو والغرور، وما يترتَّب عليه في باب العلم من ترك الاستفادة، ويحمله العجب والغرور إلى التعالم، واحتقار الناس، واستصغار من سواه، فهذه العوالق والعوائق من أكبر المثبِّطات، ومن أكبر الحواجز التي تمنع كمال المسلم، أو كمال طالب العلم، فهي تصيِّر العزَّ ذلاًّ، وتحوِّل القوَّة ضعفًا، وتنقلب بها النعمة نقمةً، لذلك جاء في الكتاب والسنَّة ما ينفِّر ويحذِّر من العجب والغرور في كونها آفةً تحبط العمل، فالإخلاص آفتُه العجب، فمَن أُعجب بعمله حبطَ عملُه، وكذلك من استكبر حبط عملُه، وإذا كان الرياء يدخل في باب الإشراك بالخَلق، فإنَّ العجب يدخل في باب الإشراك بالنفس، على ما نصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيِّم (3 - «التفسير القيّم» فيما جمع لابن القيِّم:(48) ( java:AppendPopup(this,' pjdefOutline_3' ) ) )، فالعجب أخو الرياء، فالمرائي لا يحقِّق: ?إِيَّاكَ نَعْبُدُ? [الفتحة: 5] ، والمعجَب بنفسه، المغرور بذاته وعمله لا يحقِّق: ?إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ? [الفتحة: 5] ، وقد جاء القرآن الكريم محذِّرًا من هذه الآفة في قوله تعالى: ?وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ، وَغَرَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ? [الحديد: 14] ، وقال سبحانه وتعالى: ?وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا? [التوبة: 25] ، وقال سبحانه وتعالى -أيضًا-: ?يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ? [الانفطار: 6] ، وفي الحديث: «ثَلاَثٌ مُهْلِكُاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» (4 - أخرجه ابن عبد البرّ في «جامع بيان العلم وفضله» :(1/ 143) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، والحديث له طرق حسَّنه الألباني بمجموع طرقه، وبه جزم المنذري. [انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني: (4/ 412 - 416) ] ( java:AppendPopup(this,' pjdefOutline_4' ) ) ).
وعلى المسلم أن يتعامل مع الناس بالحُسْنَى، ويعترف بحقوقهم، ويكفَّ الأذى عنهم بعدم ارتكاب ما يضرُّهم، أو فعل ما يؤذيهم خاصَّةً إذا كانوا أكبر منه سِنًّا وعِلمًا وشرفًا، أو كانوا سببًا في توجيهه، أو لحقه منهم شيءٌ من فضلهم، فلهم الفضل عليه فهم بمثابة والديه، والواجب نحوهما البرّ وإيصال الخير لهما، وكفُّ الأذى عنهما، والدعاء، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، فإنَّ ذلك كلّه من الإحسان، والإحسان -كما لا يخفى- جزءٌ من عقيدة المسلم، وشَقْصٌ كبيرٌ من إسلامه، ذلك لأنَّ مبنى الدِّين على ثلاثة أصول، وهي الإيمان، والإسلام، والإحسان، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام المتَّفق عليه، حيث قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيه عقب انصراف جبريل عليه السلام، قال: «هَذَا جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» (5 - أخرجه مسلم:(1/ 150) في «الإيمان» ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وأبو داود: (5/ 69) في
(يُتْبَعُ)