مع العلم أنه لو جرى القتال حين ذاك، لكان النصر للمسلمين،كما قال تعالى: ? ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ? الفتح 22 ,
ألا إن المصلحة من الصلح،كانت تُربي على مصلحة القتال , ولذا سمى الله هذا الصلح فتحا، فقال:? إنا فتحنا لك فتحا مبينا ? الفتح 1,
ولهذا كف أيديهم عن القتال وسهل لهم الصلح.
فتحقيق المصالح ليس دائمًا طريقه القتال، بل إن تركه - كما جرى عليه الحال في الحديبية - هو المصلحة.
فتأمل أخي الشاب في ذلك، هُديت إلى رشدك.
الوقفة الثالثة:
قال الله تعالى: ? ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية و قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ... ? النساء 77.
مما قال ابن كثير ــ رحمه الله ــ في تفسير هذه الآية:
(كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة .... وكانوا مأمورين بالصفح عن المشركين والصبر إلى حين وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة منها قلة عددهم بالنسبة إلى عدد عدوهم فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار, ومنعة وأنصار , ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا مواجهة الناس خوفا شديدا ? وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال .... ?) . تفسيره 1/ 698ـ 699 ط. دار الفيحاء والسلام
والسؤال: لم قيل لهم كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة،ولم يؤذن لهم بالقتال، رغم توْقهم له، وشدة شوقهم إليه؟
ثم ما دلالة خوفهم أو بعضهم، حين فرض عليهم القتال؟
وما حالنا في هذه العصور،من حيث العدد والعدة مع الكفار؟
ثم هل يسوغ لأحد أن يجر الأمة لقتال عدوها، وهي غير مستعدة له؟؟
من أجل أن تتاح له الفرصة،لقتال الكفار، ولو كان ذلك كما قلنا بقتل للمسلمين، وتدمير لمقدراتهم، وإضاعة لأمنهم؟؟
الوقفة الرابعة:
في غزوة الخندق، حاول الرسول ? أن يصالح الأحزاب، أو بعضهم، على شيء من ثمار المدينة، مقابل أن يرحلوا عنها , إلا أن الأنصار أبو أن يعطوا هؤلاء الأحزاب شيئا،
وقبل ذلك كان الرسول ? قد حفر الخندق، وتحصن به، كما أنه نقل النساء والذرية إلى الحصون والقلاع؛ لحراستهم فيها.
أكان ينقصه ? الحماس للقتال وحب الاستشهاد؟!
وهو القائل - بأبي هو وأمي - من حديث أبي هريرة ?:"لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ..."رواه الإمام أحمد في المسند و إسناده صحيح , ورواه مسلم بنحوه , ورواه البخاري مختصرا ,
كلا والله .. فلماذا إذًا لَمْ يحاول لقاء العدو، ومناجزته بالقتال بدل الصبر والمصابرة؟؟!
الوقفة الأخيرة:
وعودة إلى صلح الحديبية: قَبِلَ ? مهادنة المشركين، بل هو الذي أوحى لهم بفكرة الصلح حين قال
:"يا ويح قريش أكلتهم الحرب فماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ...."مسند الإمام أحمد، و ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن، وروى نحوه البخاري مرسلا من حديث مروان ابن الحكم،والمسور بن مخرمة، في باب شروط الجهاد وجاء فيه:".... ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها .... وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ...".
وهكذا عقد ? الصلح بشروط ظن بعض المسلمين أنها مجحفة بحق المسلمين، ومنهم عمر ? حتى أنه جاء إلى الرسول ?، ثم إلى أبي بكر ? قائلا: ألسنا بالمسلمين؟
قال ?:بلى.
قال: أليسوا بالمشركين؟
قال: بلى.
قال عمر: فعلام نعط الدنية في ديننا!؟
فقال له ?: أنا رسول الله، ولن يضيعني الله.
وقال له أبو بكر مثل ذلك وزاد: هو رسول الله، فالزم غرزه.
يقول عمر: فلا زلت من يومها، أعمل أعمالا عسى أن تكفر عني.
أعود لأقول: لماذا قبل الهدنة وأجل المواجهة؟ بل وتخلى عن المطالبة بالمستضعفين في مكة،ولما أتاه بعضهم يرسف في قيوده، كأبي جندل ? رده , ولما فر إليه أبو بصير ? سلمه لرسل قريش؟
لماذا قبل أن يرجع بدون عمرة ذلك العام؟ ولِمَ قبل تلك الشروط؟؟ ..
أسئلة ألقيها عليك أخي الشاب أجب عليها بصدق وتجرد وسترى من خلال الإجابة عليها وعلى غيرها مما ورد في هذه الوقفات أن المصلحة الشرعية تقتضي في كثير من الأحيان مثل ذلك , وأن حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال مقاصد عظمى لا يصح بحال أن تجعل في مهب الريح من أجل اجتهادات أفراد فقدوا أهلية الاجتهاد , بل قل فقدوا العقل الرشيد والتفكير السديد , ولربما يصح أن يقال فقدوا الخوف من الله ومراقبته والوقوف عند حدوده.
وأخيرًا أقول لكل من سار في طريق الغلو والانحراف أو تعاطف مع أهله:/
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل , ولإن يقال لك من قبل أهل الغلو: أتفر، إنه العار؟! خير من أن يقال لك يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: النار .. النار.
أما أنتم يا من يقودون إلى مثل هذه الأعمال، تخطيطًا، وتنظيرًا،وتنفيذًا، فاتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في دينكم، وأمتكم، وبلادكم , فإنما هي أنفاس معدودة،ثم تقفون بين يدي الله , فأعدوا للسؤال جوابا،وللجواب صوابا , واحذروا من لحظة يقول قائلكم فيها: ? .... رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت .. ?المؤمنون 99 - 100 فيكون الجواب:? كلا إنها كلمة هو قائلها .... ?المؤمنون 100 حينها تندمون ولات ساعة مندم.
فالفرصة للتصحيح قائمة اليوم، والسعيد من اهتبلها ولم يفوتها،كما أن السعيد من اتعظ بغيره. ولله في خلقه شؤون.
ألا هل بلغت اللهم فاشهد ..
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
محمد بن عبد الكريم أبانمي
8/ 5/1428هـ
(يُتْبَعُ)