فهرس الكتاب

الصفحة 12832 من 20085

والمسلم موال لدين الإسلام ومولاته للدين أولا محبته للشريعة، ويحمد الله أن وفقه الله لها وجعله من أهلها، ومن المنتسبين إليها، لا يدع لمعتد أن يستهزئ بها أو يقلل من قيمتها، أو يصفها بالجمود والرجعية والتأخير، فهي شريعة كاملة لا تحتاج لزيادة بل هي شريعة كملها ربنا عز وجل، كملها الذي يعلم مصالح العباد في الحاضر والمستقبل: ? أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ? [سورة الملك الآية 14] ، يقول الله عز وجل: ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ? [سورة المائدة الآية 3] ، والمسلم سيسأل عن الشريعة في قبره بعد أن يسأل عن ربه ونبيه، فعليه أن يعتقد صلاح شأنها كما كانت في العصور الماضية، قال الإمام مالك: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) وما أصلح أول هذه الأمة هو تمسكهم بالشريعة.

أيها المسلم .... إن ولاية المؤمن للمؤمنين ولاية خاصة، يقول الله تعالى: ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [سورة التوبة الآية 71] إنها آية عظيمة تذكر ما بيننا من محبة وما بيننا من روابط وأواصر فلا صلة لنسب أو جاه أو مال، ولكنها الصلة المنبعثة من القلب المليء إيمانا، والولاية تقتضي منا المحبة، والتناصح بيننا ومحبة الخير لإخواننا والسعي لإصلاح شأننا، وأن نكون على منهج واضح وطريق مستقيم، فالإيمان في القلب لا يكفي بل لابد أن يظهر أثره علينا في سلوكنا وتعاملنا مع إخواننا، المؤمن ولي لأخيه المؤمن لا يرضى له بالنقص ولا بالعيب ولا يفرق بين الأمة بل ينظر نظرة المحبة للجميع.

أيها الإخوة .... شريعة الإسلام دعت المسلمين إلى أسباب الوحدة، ونأت بهم عن أسباب الفرقة والشقاق يقول - صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره ولا يخذله» فلا تظلمه في ماله وعرضه ولا تنتقص شيئا من قدره ولا تسئ الظن به، وإن أخطأ أصلحت أخطاءه، إن تجاوز الحد أوقفته عند حده لكن بضوابط الشرع، فالتعامل بين المؤمنين يكون على أساس المحبة ومحبة الخير للكل قال - صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تردعه عن الظلم فذلك نصرك إياه» ، فأخوك إن وقع الظلم عليه تنصره وتقف معه حتى ترتفع مظلمته، وإن وقع الظلم منه تقف معه حتى يرتفع الظلم منه، وحتى يعود لصوابه ورشده، إن الأخطاء ممكنة الوقوع من كل أحد، ولكنها في المجتمع المسلم تتقلص مع قوة الإيمان واليقين، فقد أختلف مع أخي في قضية أو وجهة نظر فهل هذا الخلاف يجعلني أقف معه موقف العداء؟ إن المؤمن حقا يسعى لتضييق شقة الخلاف والنزاع، ويسعى أن يكون المؤمنون إخوة، وأي نزاع أو اختلاف بالإمكان حله على بساط المحبة وعلى بساط: ? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? [سورة المائدة الآية 2] ، إن موقف المسلم من أخيه موقف الرحمة والمحبة لذا جاء في الحديث، قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته» ، إن الخلاف موجود ولكن أهل الإيمان لا تخرج خلافاتهم عن واقعهم ولا محيطهم، فيعالجونها بالحكمة والمحبة الصادقة والولاية الإيمانية التي تجمع القلوب ولا تفرقها، وتجعل المسلم يشعر بالمحبة والمودة نحو أخيه، ولنا في المؤمنين في العصور الأولى المثل الأعلى،

قال شيخ الإسلام: ما كان فيمن مضى مثلهم ولن يكون فيمن يأتي مثلهم سبقونا في الصحبة وسبقونا بالإيمان الصادق الذي ضربوا به أروع المثل في التآخي بينهم والتعاون بينهم. كما حذرنا ربنا من الاختلاف فقال تعالى: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [سورة الأنفال: 45 ـ 46] ، فالمسلمون موقفهم موقف التناصح والتعاون والسير مع المنهج الصحيح.

أسأل اللَّهَ أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وما هي إلا ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله مُحمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

ـــــ

*محاضرة ألقاها سماحةُ الشَّيخِ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

المصدر: «مجلة البحوث الإسلامية» ، (ع:84 ص7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت