وهذان الجوابان لابن أبي عاصم،حكاه الحافظ عنه في الفتح (10/ 354) . قال الحافظ في الفتح (10/ 354) :"من العلماء من رخص فيه (يعني الخضاب بالسواد) في الجهاد، ومنهم من رخص فيه مطلقًا، وأن الأولى كراهته، وجنح النووي إلى أنه كراهة تحريم، وقد رخص فيه طائفة من السلف: منهم سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والحسن، والحسين، وجرير، وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له"إلى أن قال رحمه الله:"واستنبط ابنأبي عاصم من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"جنبوه السواد"أن الخضاببالسوادكان من عادتهم، وذكر ابن الكلبي أن أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب، وأما مطلقًا ففرعون"انتهى.
ويشهد لما ذهب إليه ابن أبي عاصم ـ رحمه الله ـ ما أخرجه هو ـ كما في الفتح (10/ 355) ـ عن ابن شهاب قال:"كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه".
واخرج الإمام احمد رحمه الله في المسند (2/ 309) بسند صحيح عن معمر ـ وهو من أصحاب الزهري رحمه الله ـ قال:"وكان الزهري يخضب بالسواد".
انظر غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام للشيخ الألباني ص (84) ونقل عن الإمام احمد في السواد كالشافعية روايتان: المشهورة يكره، وقيل يحرم، ويتأكد المنع لمن دلس به. انظر الفتح (10/ 156) .
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 168) السؤال التالي:
"رأيت بعض الناس يستعملون مواد تغير لون الشعر سواء تجعله أسود أو أحمر، ورأيتهم يستعملون مواد أخرى تجعل الشعر المجعد ناعما، فهل يجوز من ذلك شئ، وهل الشباب مثل الشيوخ في الحكم؟"
فأجابت اللجنة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد: تغيير الشعر بغير السواد لا حرج فيه، وكذلك استعمال مواد لتنعيم الشعر المجعد، والحكم للشباب والشيوخ في ذلك سواء، إذا انتفت المضرة وكانت المادة طاهرة مباحة. أما التغيير بالسواد الخالص فلا يجوز للرجال والنساء لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد". وبالله التوفيق. انتهى.
فصل: ذكر بعض الأحاديث التي لا تصح في هذا الباب:
عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا:"من خضب بالسواد، سود الله وجهه يوم القيامة".
قال الحافظ في الفتح (10/ 355) :"أخرجه الطبراني، وابن أبي عاصم، وسنده لين"انتهى.
وقال الشيخ الألباني في غاية المرام ص (84، 85) :"أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وعنه الحافظ عبد الغني المقدسي في السنن (ق 182/ 2) ، وابن عدي في الكامل (ق 149/ 2) بإسناد لين كما قال الحافظ (10/ 300) وعزاه للطبراني، وابن أبي عاصم، وقال ابن أبي حاتم (2/ 299) عن أبيه:"حديث موضوع"."
وثمة حديث (آخر) ، لكنه واه جدًا، أخرجه أبو الحسن الإخميمي في حديثه (2/ 11/1) من طريق عمر بن قيس، عن رجاء ابن أبي الحارث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا بلفظ:"يكون في آخر الزمان رجال من أمتي يغيرون السواد، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة"
وعمر بن قيس هذا هو أبو جعفر المعروف بـ (سندل) وهو متروك كما في التقريب"انتهى."
فصل: فيما وردالخضاب به:
قال الحافظ أبن حجر رحمه الله في الفتح (10/ 355) :"ولأصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث أبي ذر رفعه"إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم". وهذا يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع، وقد أخرج مسلم من حديث أنس قال:"اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا"وقوله (بحتا) بموحدة مفتوحة ومهملة ساكنة بعدها مثناة أي صرفا، وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائمًا. والكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معًا يخرج بين السواد والحمرة"انتهى.
تخريج حديث أبي ذر:
قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص (86) :"صحيح. أخرجه أبو داود (4205) ، والنسائي (2/ 279) ، والترمذي (1/ 325) ، وابن ماجة (3622) ، واحمد (5/ 154 , 156، 169) ، والخطيب في التاريخ (8/ 35) من طريق الأجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"."
(يُتْبَعُ)