فإذا قرنت هذين الأمرين بعضهما ببعض، فإن الأمر الثاني ينزل على إذا كان الحالف صادقا، لأن الحديث جمع أمرين: أمرا موجها للحالف، وأمرا موجها للمحلوف له، فإن كان الحالف صادقا، وجب على المحلوف له الرضا.
فإن قيل: إن كان صادقا فإننا نصدقه وإن لم يحلف؟
أجيب: أن اليمين تزيده توكيدا.
قوله: (ومن لم يرض، فليس من الله) أي: من لم يرض بالحلف بالله إذا حلف له، فليس من الله، وهذا تبرؤ منه يدل على أن عدم الرضا من كبائر الذنوب، ولكن لابد من ملاحظة ما سبق، وقد أشرنا أن في حديث القسامة دليلا على أنه إذا كان الحالف غير ثقة، فلك أن ترفض الرضا به، لأنه غير ثقة، فلو أن أحدا حلف لك، وقال: والله، إن هذه الحقيبة من خشب. وهي من جلد، فيجوز أن لا ترضى به لأنك قاطع بكذبه، والشرع لا يأمر بشيء يخالف الحس والواقع، بل يأمر إلا بشيء يستحسنه العقل ويشهد له بالصحة والحسن، وإن كان العقل لا يدرك أحيانا مدى حسن هذا الشيء الذي أمر به الشرع، ولكن ليعلم علم اليقين أن الشرع لا يأمر إلا بما هو حسن، لأن الله تعالى يقول: {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ( java:openquran(4,50,50) ) [ المائدة: 50] فإذا اشتبه عليك حسن شيء من أحكام الشرع، فاتهم نفسك بالقصور أو بالتقصير، أما أن تتهم الشرع، فهذا لا يمكن، وما صح عن الله ورسوله، فهو حق وهو من أحسن الأحكام.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. الثالثة: وعيد من لم يرض.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. لقوله: (لا تحلفوا بآبائكم) ، والنهي للتحريم.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. لقوله: (من حلف له بالله، فليرض) ، وسبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: وعيد من لم يرض. لقوله: (ومن لم يرض، فليس من الله) .
الرابعة: ولم يذكرها المؤلف: أمر الحالف أن يصدق لأن الصدق واجب في غير اليمين، فكيف باليمين؟
وقد سبق أن من حلف على يمين كاذبة أنه آثم، وقال بعض العلماء: أنها اليمين الغموس.
وأما بالنسبة للمحلوف له، فهل يلزمه أن يصدق أم لا؟
المسألة لا تخلو من أحوال خمس:
الأولى: أن يعلم كذبه، فلا أحد يقول: إنه يلزم تصديقه.
الثانية: أن يترجح كذبه، فكذلك لا يلزم تصديق.
الثالثة: أن يتساوى الأمران، فهذا يجب تصديقه.
الرابعة: أن يترجح صدقه، فجب أن يصدق.
الخامسة: أن يعلم صدقه، فيجب أن يصدق. وهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم، فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها، لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي، وهو واجب.
ـ [البدراوي] ــــــــ [08 - May-2009, مساء 09:06] ـ
وماذا عن قوله صلى الله عليه وسلم"افلح وابيه"؟
ـ [البدراوي] ــــــــ [08 - May-2009, مساء 09:08] ـ
قرات كلام النووي ولكن لم يشفي الغليل
ـ [التقرتي] ــــــــ [08 - May-2009, مساء 09:11] ـ
سمعت الخضير يقول هذا تصحيف انما الاصل"و الله"صحفت"و أبيه"من النساخ و الله اعلم
و سئل مقبل:
هل يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"أفلح وأبيه إن صدق"وماذا عن قوله (وأبيه) هل هو حلف ام لا
جواب: هذا الحديث رواه مسلم من طريقين إحداهما:"أما وأبيك لتنبأن"، والأخرى:"أفلح وأبيه إن صدق"، وكلتا الطريقين الظاهر أنها معلة، أذكر واحدة منها وهو أن اسماعيل بن جعفر بن أبي كثير تارة يقول: أفلح إن صدق، أي يرويها: أفلح إن صدق، وأخرى يقول أفلح وأبيه إن صدق، خالفه مالك، فمالك يقول: أفلح إن صدق، فإذا كان إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير تارة يرويها كذا وتارة كذا، والحديث رواه البخاري من طريق إسماعيل بن جعفر: أفلح إن صدق، ورواه مسلم: أفلح وأبيه إن صدق.
وفي"صحيح البخاري"وغيره من حديث مالك: أفلح إن صدق.
فمال أرجح من إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن جعفر نفسه اختلف عليه في هذا، فهذه الطريق تعتبر شاذة، وتلك الطريق الأخرى أيضًا تعتبر شاذة، على أن الشوكاني أجاب في كتابه"نيل الأوطار"بثمانية أجوبة عن هذا، ولم يرتض أنها ضعيفة، لكن الذي يظهر أنه ما حقق هذا التحقيق، وقد قال بعضهم أنها مصحفة، وأن أصلها: أفلح والله إن صدق.
(يُتْبَعُ)