فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويُفرّق الشيخ بين التكفير العام والتكفير المعين، فهو يرى (أن التكفير العام كالوعيد العام، يجب القول بإطلاقه وعمومه) (198) ، وفق الموجب، بغض النظر عن حالِ مُتلبّسه، أما الكفر المعين فلا يُحكم به على أحد إلا إذا توافرت فيه شروط الكفر، وانتفت عنه موانعه، دون تفريق بين المسائل العقدية والعملية .. وتقريرًا لهذا المعنى يقول رحمه الله: (وحقيقة الأمر في ذلك، أن القول قد يكون كفرًا، فيُطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول:(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا) (النساء: 10) . فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يُشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يُبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وجماهير أئمة المسلمين) (199) .
بل يرى الشيخ أن التحري في حال المتأول المخطئ في مسائل الاعتقاد، أولى من المخطئ في المسائل العملية، لخفاء الأولى وظهور الثانية، وفي هذا يقول: (التحقيق في هذا: إن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: مَن قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومَن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يُحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة(200) رضي الله عنهم، في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يُخَرج الحديث الصحيح (في الذي قال: إذا أنا متُّ فاحرقوني، ثم اسحقوني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا ما عذّبه أحدًا من العالمين) (201) وقد غفر الله لهذا، مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه) (202) .
ويشهد لهذا المنهج فعل الإمام أحمد رحمه الله، الذي تعرّض لفتنة خلق القرآن من قِبَل الجهمية نُفاة الصفات، فامتحنوه وضربوه وحبسوه بأمر من الخليفة المأمون (203) ، الذي وافقهم على التجهم، ومع ذلك فإن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر. ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز، بالكتاب (204) والسنة (205) والإجماع، وهذا يدل على أنه لم يكفر المعين من الجهمية لجهلهم بالحكم أو غيره (206) ، هذا مع أن الجهمية أشد المبتدعة ضلالًا، بل المشهور عن الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفيرهم، قال فيهم (عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وقال غير واحد من الأئمة: إنهم أكفر من اليهود والنصارى) (207) .
أما غيرهم من أهل البدع، فإنهم لا يُكَفَّرون، مثل الشيعة المفضِّلة لعليٍّ على أبي بكر رضي الله عنهما، وكذلك المرجئة، فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، أما القدرية المُقِرُّون بالعلم (208) ، والروافض الذين ليسوا من الغالية (209) ، والخوارج، فهم محل خلاف بين أهل العلم، وقد أثر عن الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم، والخوارج، مع قوله: ما أعلم قومًا شرًا من الخوارج، ونقل أبو نصر السجزي (210) عن أئمة السنة، قولين في نوع كفر الجهمية: الأول أنه كفر ينقل عن الملة، هو قول الأكثر، والثاني كفر لا ينقل عن الملة .. وذكر الخطابي (211) : إن تكفير أهل السنة لهم، على سبيل التغليظ (212) .