فهرس الكتاب

الصفحة 1306 من 20085

ويصرّح في موضع آخر بأن هذا المسلك هو مسلك أهل العلم والسنة، فيقول: (فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون مَن خالفهم، وإن كان ذلك المخالفُ يكفّرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، ولا تزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكَفَّر إلا من كَفَّره الله ورسوله) (184) .

كما أن أهل السنة لا يكفّرون أحدًا من أهل القبلة بالذنب والمعصية، وإنما ذلك من فعل الخوارج الذين يكفّرون بمطلق الذنوب (185) ، وفي هذا يقول رحمه الله: (من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالًا يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لابد منه، ويكفّرون مَن خالفهم فيها ويستحلون دمه، كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم .. وأهل السنة لا يبتدعون قولًا، ولا يكفّرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان مخالفًا لهم، مكفّرًا لهم، مستحلًا لدمائهم، كما لم تكفّر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان(186) وعلي رضي الله عنهما، ومن والاهما، واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم) (187) .

بل يقرر شيخ الإسلام (أنه لا يُجعل أحدٌ بمجرد ذنب يذنبه، ولا ببدعة ابتدعها، ولو دعا الناس إليها، كافرًا في الباطن إلا إذا كان منافقًا، فأما مَن كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به، وقد غَلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلًا، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالًا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفّرهم، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين) (188) .

ويعلل ابن تيمية منع إطلاق الكفر على المعين، أن له شروطًا وموانع تقتضي انتفاء العذر، كالجهل بالحكم وثبوت الحكم بالعلم، (فلا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه ... وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارًا، لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين) (189) .

ذلك أن الكفر حكم شرعي، لا يُحكم به على أحدٍ بمجرد الخطأ والغلط، بل لابد من إقامة الحجة على المحكوم عليه، وفي هذا الشأن يقول رحمه الله: (ليس لأحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تُقام عليه الحجة، وتُبين له المحجة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) (190) .

وقد حذّر الشيخ من تكفير أو تفسيق أو نسبة معصية إلى مجتهد معين، أخطأ فيما يسوغ الاجتهاد فيه من المسائل العقدية والعملية، فيقول: (إني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية، كما أنكر شُرَيح(191) قراءة من قرأ (بل عجبتُ ويسخرون) (الصافات: 12) ، وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي (192) ، فقال: إنما شُريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله (193) أعلم منه، وكان يقرأ: (بل عجبتَ) (194) .. وكما نازعت عائشة (195) رضي الله عنها، وغيرها من الصحابة في رؤية محمد صلى الله عليه و سلم ربه، وقالت: (مَن زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية) (196) ، ومع هذا لا تقول لابن عباس رضي الله عنهما، ونحوه من المنازعين لها: إنه مفتر على الله .. وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك .. وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال، مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم، لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق) (197) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت